لأن زكاة العروض يجوز أن تصرف من العروض على الصحيح، خاصة عند الحاجة إليها، أو يكون الفقير هو الذي يريد ذلك، أو يكون صاحب التجارة ليس عنده إلا هذه العروض، ملابس، أو أوانٍ أو طعام مثلا، فلا بأس أن يجعل زكاته من نفس جنس العروض.
فلو أراد أن يشتريها، أن يشتري هذا الطعام، أو هذه الملابس، أو هذه الأواني، أو هذا الحيوان من الفقير، يقول: إن كانت .. وهذه لا بأس نذكر شيئا منها .. من الكلام فيها، وهو إن حصل في بعض الأخبار من جهة عموم هذا الخبر، ومن جهة ما يأتي في الخبر، في النهي عن شراء الصدقة، فيقال: إن كانت الزكاة زكاة المشتري: أعطى إنسانا من الإبل حيوانا، من الإبل، من الغنم حيوانا، من الغنم، فاشترى منه نقول: لا تشتر، سواء كانت الزكاة واجبة، أو صدقة، لا تشتر، كما قال -عليه الصلاة والسلام- من حديث عمر: " لا تعد في صدقتك، ولو أعطاكه بدرهم ".
لأنه يكون عائدا في صدقته، كما جاء في الحديث " كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه " وهذا تنفير، وتشديد في هذا الباب.
ثم أيضا هو في الحقيقة قد يكون سببا في أن الفقير يعطيه هذه الزكاة بثمن رخيص، طمعا في صدقته مرة أخرى، أو مثلا قد لا يماكثه، ويجامله حياء منه، وقد لا يبيعه بالثمن الذي يطلبه؛ لأنه يخشى أن يسترجعها.
فلما كانت هذه سببا في مثل هذه الأمور، منع وسد الباب؛ فلهذا لا يجوز أن تشتري صدقتك بأي حال من الأحوال، سواء كانت الصدقة واجبة أم مستحبة.
وهذا الخبر قال: إلا رجل اشتراها بماله. فالأظهر -والله أعلم- أنه إذا كانت الصدقة لغيره، فلو وجدت فقيرا عنده زكاة، وباعك إياها، أو أهداك إياها، رجعت إليك بالهدية، أو بالهبة، أو بالعطية مثلا.
فهذا إن كانت الزكاة لغيرك فلا بأس؛ لأنه ملكها الفقير، ومأمون تلك الأمور التي تكون إذا كانت الزكاة زكاتك.
" والرسول -عليه الصلاة والسلام- جاء إلى بيته فوجد لحما، أو قدرا تفور باللحم، يطبخ، فقال: ممن هذا؟ يقول -عليه الصلاة والسلام-: قال: من أم عطية من الصدقة التي بعثت بها إليها "؛ لأنه جاءه شيء من الزكاة أو الصدقة، فبعث إليها، قال: " أما إنها قد بلغت محلها " يقول -عليه الصلاة والسلام-.
دل على أنها إذا أهدى الفقير إلى غني زكاة غيره، زكاة ليست من زكاته، فلا بأس، وكذلك من باب أولى إذا كان اشتراها؛ لأن الشراء يكون بعوض.
يعني: عالم لعامل عليها، أو لرجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله.
الغارم لمن يغرم في إصلاح ذات البين، فإذا غرم إنسان لإصلاح ذات البين، في قتال بين طائفتين أو بين جماعتين وغرم شيئا من المال، فإن هذه من المصالح العظيمة، ومن الأخلاق الحميدة، ومن المصالح العظيمة المتعلقة بهاتين الطائفتين، ومن الأخلاق الحسنة، من جهة من دفع هذا المال، فيعان ويعطى من الزكاة.
ولو كان غنيا نقول: لا يلزمك أن تدفعها من مالك؛ لأن هذه خصلة حسنة، والشرع جاء بمثل هذه الأمور، وحث عليها، فيعطى من الزكاة بقدر ما يقضي هذا الدين.
أو غاز في سبيل الله، نعطي الغازي شيئا من المال، ولو كان غنيا نعطيه، فنعطيه مثلا لشراء حاجاته التي يحتاج إليها، ونعطيه مالا آخر يستعين به على أموره لأهله وأولاده؛ لأن الغازي في سبيل الله قد يحتاج، خاصة إذا جاهد، أو لنفسه، أو لغيره، فيحتاج شيئا من المال.
غير المال الذي يعطى للقتال، فيعطى شيئا من المال، إعانة له على أمر الجهاد، ويعطى شيئا من المال مما يعينه في أمور حياته، من جهة أنه تفرغ للجهاد في سبيل الله، فيعطى شيئا من المال، ولو كان غنيا.
أو كذلك إذا .. والخصلة الأخيرة ذكرناها في قصته -عليه الصلاة والسلام-، يعني: مسكين، إذا كان المسكين أهدى للغني، جاءت في الحديث الذي ذكرناه قبل، وهو إما أن يشتري، وإما أن يشتري الغني، وإما أن يهدى إليه، فذكر -عليه الصلاة والسلام- الشراء، وذكر الإهداء، فكلاهما لا بأس به.