تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حديث عائشة وأسماء بنت يزيد، فمنها ما هو صحيح كحديث عبد الله بن عمرو، وهذا الباب يعضد الأخبار فيها بعضها بعضا.

واستدل بهذه الأخبار من قال: إن الزكاة تجب في الحلي -في حلي النساء من الذهب والفضة- إذا بلغ نصابا، إذا بلغ نصاب الفضة وهو مائتا درهم، وإذا بلغ نصاب الذهب وهو عشرون مثقالا، ونصاب الفضة -كما سبق- هو مائتا درهم، وهي تقارب ستمائة غرام، أو نحو خمسمائة وسبعة وتسعين؛ لأن الدرهم يعادل ثلاثة غرامات إلا شيء يسير.

فعلى هذا ينبغي الاحتياط، وأن يكون إذا تجاوز الخمسمائة غرام يزكى؛ لأن هذا -كما سبق- كله مبني على الاحتياط، ومعرفة هذه الدراهم مثل ما سبق، وإلا فليس وزنها على الدقة في عهده -عليه الصلاة والسلام-، إنما هو في كثير من الأحيان من باب الظن.

كذلك الذهب عشرون مثقالا وإحدى عشر جنيه، بالجنيه السعودي، وقدرها خمسة وثمانون غراما، فإذا بلغ هذا القدر من الفضة، وإذا بلغ هذا القدرمن الذهب -وجبت الزكاة على هذا القول في هذه الأخبار.

وقال جمهور العلماء: لا زكاة فيه -إنه لا تجب الزكاة في حلي النساء ذهبا أم فضة-، وقالوا: إن الأدلة التي جاءت لا تشمل الحلي، والحلي يقولون: مما يشبه متاع البيت، ويستخدم ويكون مبتذلا مثل: ثياب الخدمة، وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه مثل غيره، مما يبتذل ويركب.

وقالوا: إن الأخبار هذه التي في الباب لا تصح، ومنهم من قال: إنها وإن ثبتت فإنه ليس المراد بها الزكاة الشرعية المقدرة، إنما المراد بها بمعنى الزكاة العارية -زكاته أي: عاريته-، وقال بعضهم: إن هذا لما كان الذهب حراما على النساء. هكذا قالوا.

والقول الثاني وهو قول الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وقال الشافعي: يستخير الله فيه. وجعله بعضهم قولا عنه -رحمه الله- قالوا: إن الزكاة تجب في حلي النساء، والدليل فيه أمران، قالوا:

الدليل الأول: هو عموم الأدلة التي توجب إخراج الواجب في الذهب والفضة، عموم الأدلة، ولو لم يكن في الباب أخبار خاصة، ومنها قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ((((﴾ (1).

والأدلة التي جاءت من السنة في الدلالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام- في الصحيحين كما سبق: " في الرقة ربع العشر " فقالوا: إن هذا يشمل الذهب بجميع أنواعه، فهذه هي الأدلة العامة.

وقالوا: إن الأدلة الخاصة أيضا واضحة وصريحة، أنها تعضد هذا الأصل، منها: حديث عبد الله بن عمرو، وما جاء في معناه، وهو حديث صحيح، قالوا: أما قولكم: إن الزكاة هي العارية، فهذا قول ليس بصحيح؛ لأن العارية غير الزكاة.

وكيف يعبر الشارع عن العارية بالزكاة، الزكاة لها معناها، والعارية لها معناها، ثم أنتم -أيها الجمهور- لا تقولون: العارية واجبة، تقولون: مستحبة. والزكاة واجبة، ولو أنها لم تعره فلا شيء عليها.

أما قولهم: "إنها لما كان الذهب حراما" ... فهذا ليس بصحيح، بل هذه الأدلة واضحة في أنه لما كان الذهب حلالا، وهذه المرأة: " جاءته وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، قال أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار. فألقتهما ".

في اللفظ الآخر: " وقالت: هما لله ورسوله " " مسكتان من ذهب " يعني: سواران، وعلى هذا تكون هذه الأدلة حجة واضحة في وجوب زكاة الحلي أو الحلي -الذهب والفضة- في حق النساء؛ لعموم الأدلة ولخصوصها.

وحديث أم سلمة واضح أنه قال: " أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا " " قالت: أكنز هو؟ قال: ما أديت زكاته فليس بكنز " فالكنز: هو ما لم تؤد زكاته، ولو كان ظاهرا واضحا فوق الأرض.

(1) - سورة التوبة آية: 34 - 35.

شرح البلوغ · الصفحة ١٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ١٣٣٤