وفي الصحيحين عنه-عليه الصلاة والسلام- من أن ابنة للنبي-عليه الصلاة والسلام- أرسلت له أن يأتي إليها؛ لأن ابنها كان في النزع، وقيل إنها زينب فأرسل إليها -عليه الصلاة والسلام- قال: " إن لله ما أخذ وإن لله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب " فعزَّاها ولم يأت في أول مرة حتى تُسلم لأمر الله ولقضاء الله، فأبت عليه.
وأرسلت له حتى يأتي، فجاء-عليه الصلاة والسلام- ورفع الصبي في بين يديه ونفسه تقاطع، يعني: تذهب وتأتي، فبكى-عليه الصلاة والسلام- فقال بعض الصحابة أو سعد بن عبادة: " ما هذا يا رسول الله؟ قال: إنها رحمة " هذه رحمة، دمعت عيناه-عليه الصلاة والسلام- فالبكاء بدمع العين هذا لا بأس به.
أما البكاء بالصوت الذي يكون فيه صراخ، هذا هو المحرم.
بكتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
والبكا: مقصور بالدمع، والبكاء بالدمع مع الصوت؛ فالبكا إذا كان مع الدمع لا بأس به دمعا، أما إذا كان مع الصوت فهذا منهي عنه إلا إذا كان الصوت يسيرا، الصوت يسير وليس به عويل، فهذا يظهر -والله أعلم- أنه لا بأس به.
وفي الغالب أن الإنسان قد لا يخلو من الصوت أحيانا إذا اشتدت عليه المصيبة لا يخلو من الصوت، فلا بأس بمثل هذا، إنما النهي عما يكون فيه صياح وصراخ وعويل، أو يكون فيه نياحة أو ندب أو تعدد الميت، هذا هو النهي عنه.
وقد جاء في حديثٍ عند أحمد أن النبي-عليه الصلاة والسلام- وأبا بكر وعمر عند جنازة، أو حضر قبرا فبكى أبو بكر وعمر، قالت عائشة -رضي الله عنها:- "والله إني لأسمع بكاء" ... فقالت: إني لا أميز أو أفرق بين بكاء أبي بكر وبكاء عمر.