قال: " يستعبر له صويحبه " يقول: إنكم إذا بكيتم عليه وحزنتم وبكيتم فإنه يتألم من بكائكم ويتأثر كما أن الأحياء يتأثرون، وربما تعذب من بكاء أهله وتأثرهم وحزنهم فيؤلمه هذا، فهو نوع عذاب كما قال-عليه الصلاة والسلام-: " السفر قطعة من العذاب " فهو عذاب من جنس التألم.
وهذا اختاره جمع من أئمة المالكية، ورجحه تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية، والقاضي عياض، وجمع من أهل العلم، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وذكر اختيارا يجمع هذه الأقوال كلها، فقال ما معناه إنه لا مانع أن يقال: إن العذاب على عمومه يشمل جميع ما اختاره هؤلاء القوم:
فمن كان النوح من سنة أهله فلم ينههم فيعذب، أو ربما عذب لأنه ترك نهيهم عن المنكر، أو إذا أوصاهم بذلك ووصاهم فيعذب بكونه لم ينههم، ويعذب -أيضا- بوصيته، فيعذب بالأمرين، وكذلك في المسلك الآخر أيضا يعذب به.
وإذا كان ليس النوح من سنتهم، ولم يوصهم بذلك وقد احتاط ولم يقع شيء من هذا، ولو إذا كان من سنتهم نهاهم، ما فرط، ثم مات، وناحوا عليه، خالفوا وصيته، أو لم يكن من سنتهم وليس من هديهم، وناحوا بعد ذلك فإنه يعذب، بمعنى: أنه يتألم.
ولا شك أن هذا الاختيار -يعني- يجمع بين الأقوال، والحافظ ابن حجر -رحمه الله- له عناية في الجمع بين الأقوال والخبر على عمومه، فيقال: إنه يشمل كل ما ذكر مما ذكره أهل العلم في هذا الباب.
حديث: شهدت بنتا للنبي - تدفن
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: " شهدت بنتا للنبي - تدفن ورسول الله - جالس عند القبر فرأيت عينيه تدمعان " رواه البخاري.
وفي هذا ما كان-عليه الصلاة والسلام- من العناية بأمر رعيته ومن يعنيه، وكذلك بأمر أهله فشهد أمر دفن ابنته-عليه الصلاة والسلام- شهد دفنها وحضرها.
وفيه أنه بكى-عليه الصلاة والسلام- ودمعت عيناه، وهذا يؤخذ منه أن مثل هذا جائز، وأن دمع العينين جائز، وأن البكاء بدمع العينين لا بأس به، كما بكى-عليه الصلاة والسلام-.