وهذا الخبر في الصحيحين يبين أنه يُعذب ليس بكل البكاء، بل ببعض البكاء وهو البكاء الذي يكون فيه صراخ وعويل، وهو النياحة وهو الندب، ندب الميت وتعداد محاسنه على سبيل التسخط للمقدور وعدم الرضا به، والمراغمة والاعتراض على القدر كل هذا يكون أمرا محرما.
ثم اختلف العلماء في قوله-عليه الصلاة والسلام-: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه " مع أن في هذا الخبر للعلماء طرق في قوله: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه " قيل: إن هذا خاص في هذا الخبر ومستثنى من قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (1) وأن هذا النص على ظاهره، وأن الميت إذا مات فناح عليه أهله وصاحوا وعولوا عليه؛ فإنه يعذب وإن كان ليس من فعله، وقالوا: إن هذا مستثنى، وللشارع أن يستثنى أمورا في بعض الأمور وأجروا هذا النص على هذا، هذا مسلك.
وسلك البخاري -رحمه الله- مسلكا آخر، وقال: إنه يعذب بما نيح عليه إذا كان النوح من سنته، هذا المسلك الثاني وقال إذا كان يعلم أن أهله ينوحون، ومن عادتهم النوح على الميت فلم ينهاهم عن النوح؛ فإنه يكون مقرا لهم عليه ومتسببا في وجود النوح والبكاء المحرم فيأثم بذلك.
الطريقة الثالثة: أن يوصي أهله بالنوح سواء كان من عادتهم أو لم يكن من عاداتهم، أن يوصي أهله بالنوح فيعذب بالأمرين: بالنياحة وبالوصية، فإذا أوصاهم بذلك عُذِّب، وحملوا هذا الخبر على ما إذا أوصاهم.
والمسلك الرابع: قالوا: إن العذاب هنا المراد به الألم والتألم وأن الميت يتألم لبكاء أهله عليه، واستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة والطبري عن قيلة بنت مخرمة، قال أن الرسول-عليه الصلاة والسلام- قال: " إن أحدكم يبكي فيستعبر له صويحبه، أي عباد الله، لا تعذبوا موتاكم " أو كما قال-عليه الصلاة والسلام-.
(1) - سورة الأنعام آية: 164.