التي يكون منها مفاسد في تقريرها، ويكون في ضمنها مصالح، يعني: يحصل مصلحة ومفسدة، فهما فهو من باب تلازم المفاسد والمصالح.
فالشارع في تلازم المفاسد والمصالح لا يقرها إطلاقا، ولا ينكرها إطلاقا، فينظر في تلازمهما. هل أن هذه المفسدة الملازمة للمصلحة أعظم وأكبر ولا يمكن تلافيها؛ فعند ذلك تتُرك المصلحة في سبيل درء المفسدة العظيمة، وإذا كانت المصلحة مصلحة كبيرة والمفسدة مفسدة يسيرة فلا مانع من ارتكاب المفسدة اليسيرة في سبيل تحصيل المصلحة العظيمة.
فالشارع جاء بتحسين المصالح وتقويتها والقيام بها، وجاء بتعطيل المفاسد، فإذا كانت المفاسد يسيرة في ضمن المصالح العظيمة؛ فإنه يؤتى بها، ولهذا أمثلة معروفة في الشرع، وإذا كانت المصالح والمفاسد متوازنة أو متقاربة أو مستوية فهو موضع اجتهاد، قد يغلب جانب المصلحة فيقدم على الفعل، وقد يغلب جانب المفسدة فيترك الفعل، وقد يختلف الأمر ويستويان فيجتهد، فالمقصود أنه يجتهد وينظر.
ومثل ذلك في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالمعروف والنهي؛ فالأمر بالمعروف مصلحة عظيمة والنهي والمنكر الأمر بالمعروف مصلحة وتحصيله مصلحة والمنكر مفسدة قد يُنهى عن إنكار المنكر في بعض الأحيان، قد يُنهى عن إنكار المنكر في سبيل درء المفاسد وتحصيل المعروف؛ لأنه ربما ترتب على تحصيل على أمرك بالمعروف مفسدة عظيمة، وزاد المنكر، فأنت عملت خيرا، فقد يريد أن يعمل خيرا لكن ربما ترتب عليه مفسدة؛ فلهذا يكون الأمر موضع اجتهاد، إلا إذا كانت المفسدة زائلة، مثل أنه إذا رأى أمرا من الأمور المنكرة، ويغلب على ظنه أنه يزول بالكلية؛ فإن الإنكار واجب، وتحصيل المصلحة واجب؛ لأنها تزول ويخلفها ضدها، تزول المفسدة ويخلفها ضدها.
إذا كان ينكر المنكر ويزول، لكنه لا يزول بالكلية، يبقى بعضه؛ فإنه ينكر؛ لأنه ما دام يحصل الخير بتخفيف المنكر فهو خير فيقدم وينكر.