وهذا يبين أنه إذا احتاج لأكثر من ثلاثة فلا بأس، فإنه إن شاء وسَّع القبر، وإن شاء وسَّعه من جهة الطول؛ فيدفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهذا -كما سبق- عند الحاجة، يَدْفِن الرجلين في قبر واحد، وكذلك لو احتاج إلى دفن الرجل والمرأة، فلا بأس -على الصحيح-.
لكن ينبغي أن يجعل بينهما شيئا من الفاصل -من التراب-؛ لأنه هكذا أحكام الحياة بين الرجل والنساء: الانفصال، والابتعاد، وعدم الملامسة؛ فكذلك -أيضا- في حال الوفاة؛ فينبغي أن يكون فاصلا.
ثم قال: "فينظر أيهم أكثرأخذا للقرآن؛ فيقدمه " فالتقدم بتفضيل الدِّين، وهكذا في الحياة الدنيا؛ فيقدمه في اللحد: فيه دلالة على أن المشروع الحد للميت، قال - " اللحد لنا، والشَّق لغيرنا " وإن كان الشَّق جائزا، لكن اللحد أفضل.
وهكذا صُنِع برسول الله - قال سعد بن أبي وقاص: " ألحدوني لحدا، وانصبوا علَىَّ اللَّبِن نصبا، كما فُعِل برسول الله - "
ولما بعثوا ليحفروا قبره -عليه الصلاة والسلام-؛ بعثوا إلى مَن يضرح، وإلى مَن يَلْحَد، فقالوا أيهما مَن قدم أولا فعل، فقدم الذي يلحد: وهو أبو طلحة؛ فلحد للنبي -عليه الصلاة والسلام-.
ثم قالوا: "لم يغسَّلوا "، الشهداء لا يغسلون، هذا قول جماهير أهل العلم، وحكي الاتفاق في ذلك: أنهم لا يغسلون؛ وهذا كرامة لهم، وبقاء لجراحهم؛ وكل جرح يأتى يوم القيامة أعظم ما يكون دما، يفوح طيبا؛ شهادة لهذا القتيل، الذي قتل في سبيل الله.
ولم يُصَلَّ عليهم: هذا المشروع في الأخبار -أنه لم يُصَلَّ عليهم-، وفي أنه صلى -عليه الصلاة و السلام- على بعض الشهداء: فاختلف العلماء في الصلاة على الشهداء.
أما الغسل: فلا يغَسَّل؛ الأخبار جاءت واضحة أنهم لا يغسلون، أما الصلاة: فاختلفت الأخبار في هذا، رأى جماعة من أهل العلم -كابن القيِّم، وجماعة- أنه لا بأس أن يُصَلىَّ، وأن تترك الصلاة، كما جاء في عدة أخبار صحيحة: أنه صَلَّى على بعض الشهداء -عليه الصلاة والسلام-.
حديث: لا تَغَالوا في الكفن فإنه يُسْلَب سريعا