وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: " دخل رسول الله - على أبي سلمة، وقد شُقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض، تبعه البصر؛ فضج ناس من أهلي؛ فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة تُؤَمِّن على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه، واخلفه في عقبه " رواه مسلم.
وهذا من الآداب التي تشرع عند الميت، أولها: وهى آداب معلومة من الأخبار، وجاء في هذا الخبر أنه - لما دخل على أبي سلمة بن عبد الأسد -الذي توفي في السنة الرابعة للهجرة- وقد شق بصره، يعني: أنه ارتفع بصره إلى جهة السقف، ارتفع إلى فوق، وظهر بياض العينين، فأغمض عينيه -عليه الصلاة والسلام-.
وهذه هي السنة: أن تغمض عيناه؛ لأنه يقبح منظرهما، ولا يكون حسنا في حق الميت، وكذلك -أيضا-: يُسَن أن يغلق فمه، ويُسَكَّر -يُغْلَق- فمه، حتى لا ينفتح؛ لأنه إذا شُرِعَ إغلاق العينين، فالفم -أيضا- يقبح من باب أولى؛ لأنه يكون منظره غير حسن.
ثم -أيضا- ربما نزل شيء من الهوام في جوفه، وربما تأذى، والميت تشرع صيانته، وحرمته باقية، لا يستطيع الدفع عن نفسه؛ فمشروع السعي في مصلحته.
ثم قال: " إن الروح إذا قبض، تبعه البصر " يتبع الروحَ، ينظر إلى أين تذهب، والروح لها أحوال، الله أعلم بها، حال الروح حال عظيمة بعد الموت، فهي متفاوتة تفاوتا عظيما، كتفاوت أعمال أهلها في الدنيا:
فمنها أرواح تكون في أعلى عليين، ومنها أرواح تكون محبوسة على باب الجنة، ومنها أرواح تكون عند نهرٍ في الجنة، وورد الخبر بهذا، ومنها أرواح ربما كانت على القبر، أو عند القبر.
فالأرواح متفاوتة؛ بحسب تفاوت الأعمال، ومنازل الأعمال في الدنيا، فهو ينزل روحه منه بقدر تنزيل العمل، بقدر العمل الذي يعمله في الدنيا، ينزل روحه في الآخرة بقدر عمله في الدنيا واجتهاده، فكلما كان العمل مرتفعا وحسنا، كلما كانت الروح مرتفعة وحسنة.
" ثم ضج ناس من أهله " حصل منهم صياح؛ لما علموا أنه قد مات، ثم قال: " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تُؤَمِّن على ما تقولون " يشرع عند الميت أن يكون الأدبُ الحسنُ، ولا يحصل ضجة، ولا صوت، ولا صياح، ولا صخب، وهذا معلوم من الأخبار في النهي عن: العويل، والنوح.
ثم قال: " اللهم اغفر لأبي سلمة " دعا -عليه الصلاة والسلام- بالكلمات النافعة العظيمة لأبي سلمة، دعا له: " اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه، واخلفه في عقبه "
دعوات عظيمة، ودعا له بخير ما يكون في الآخرة، ثم دعا له -أيضا- أن يخلفه في عقبه، وجاء في اللفظ الآخر من حديث شداد بن أوس أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: " إذا حضرتم الميت؛ فأغمضوا عينيه ".
فتضافرت السنة الفعلية من فعله - أنه يشرع أن يغمض عيناه، ومن سنته القولية الأمر بذلك: حيث أمر بأن تغمض عينا الميت.
وفي قوله: " فإن الملائكة تُؤَمٍّن على ما تقولون " يدل على أن هذا الموطن من المواطن التي تُتَحَرَّى فيها إجابة الدعاء. فقال: " فإن الملائكة تُؤَمِّن على ما تقولون؛ فلا تقولوا إلا خيرا " وأعظم ما يكون الدعاء للميت في هذه الحال؛ فإنه بأشد الحاجة إلى مثل هذا.
حديث: أن النبي - حين توفي سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَة
وعن عائشة -رضي الله عنها-: " أن النبي - حين توفي، سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَة " متفق عليه.
فإذا مات الميت؛ يشرع أن يُسَجَّى ببُرْدِ حِبَرَة، أن يُسَجَّى ببُرْدٍ.
المراد: بأي غطاء، أو كساء، يغطى به الميت، بمعنى: أنه تنزع عنه ثيابه التي عليه؛ إذا خشي أن يحمى جسده، وأن يتغير، ربما كان عليه شيء من الملابس، ولبس ملابس، وبعد الوفاة: فقد يحمى جسده، وقد