تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - " لا يتمنين أحدكم الموت؛ لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ".

هذا الخبر عن أنس له شاهد -أيضا- من حديث أبي هريرة، معناه: وهو النهي عن تمني الموت، " لا يتمنين ": نهي مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، " أحدكم الموت؛ لضر نزل به " فلا يتمنى الإنسان الموت؛ لضر نزل به: شدة مرض، أو مصيبة نزلت به من موت قريب، أو فقر، أو ما أشبه ذلك من المصائب النازلة، وظاهره يشمل جميع أنواع الضرر، في الدين والدنيا.

وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا بأس أن يتمنى الموت عند نزول الضرر في الدين، وأنه إذا حلت الفتن، وكثر الفساد، وصار العبد لا يَدَ له بهذه الأمور، أو خشي الفتنة على نفسه، أو خشي الفتنة في دينه؛ فلا بأس أن يتمنى الموت؛ لأنها حالة حسنة، وحالة طيبة من جهة: أنه يخشى من الفتنة.

قال الإمام أحمد: "أنا أتمنى الموت صباحا ومساء "؛ لما حصل من الفتن في وقته، فإذا كان هذا في وقته، فقد يحصل من الفتن في الدين، التي يخشى العبد أن يفتن فيها.

فإذا تمنى لأجل أن يلقى ربه على دينه مستقيما، فلا بأس به، لكن مهما أمكن -إذا كان يمكن- أن يدفع هذا الشر والفساد، كان هو الأولى وهو مقيد بما إذا خشي من الفتنة.

وهذا أمر نسبي: قد يكون لبعض الناس خشية الفتنة قريبة، أو ربما تكون حاصلة، ولغيره ربما يدفعها بقوة إيمانه، أو علمه، أو من يعينه من إخوانه؛ فالأحوال مختلفة اختلافا كثيرا؛ لضر نزل به.

والدليل على هذا: ما جاء في الأخبار الدالة على أن تمني الموت لأجل فتنة في الدين لا بأس به؛ ولهذا في حديث معاذ - رضي الله عنه - عن أهل السنن، وغيرهم، قال: " وإذا أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضني غير مفتون " سأل أن يقبض عند وجود الفتن، وفي رواية عند النسائي قال: " لضر نزل به في الدنيا " دل على أن المراد: النهي عن تمني الموت؛ إذا كان الضر في الدنيا.

شرح البلوغ · الصفحة ١١٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ١١٩٤