تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أراد بعض الفساق أن يغروا الربيع بن خيثم فأتوا إلى غانية وقالوا لها: لك ألف دينار على أن يأخذ منك الربيع قبلة واحدة قالت: ويفعل كذا وكذا وكذا، فلبست أحسن ماقدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له في خلوة من الناس، حين خرج من مسجده فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: كيف بك لو نزلت الحمى بجسمك، فغيرت ماأرى من لونك وبهجتك، أم كيف بك لو نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين، أم كيف بك لو سألك منكر ونكير، فصرخت صرخة فسقطت مغشياً عليها، فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها، ما أنها يوم ماتت كانت كأنها جزع محترق.

قال إبراهيم بن الحارث: كان رجل كثير البكاء، فقيل له في ذلك فقال: أبكاني تذكرى ما جنيت على نفسي حين لم أستح ممن شاهدني وهو يملك عقوبتي، فأخرني ليوم العقوبة الدائمة وأجلني إلى يوم الحسرة الباقية، والله لو خيرت: أيما أحب إليك أن تحاسب ثم يؤمر بك إلى الجنة أو يقال لك: كن تراباً لاخترت أن أكون تراباً.

كان هناك رجل صالح فلما مات جاء لابنه في المنام فقال له: أى بنى أنت عندنا عن قليل والأمر بآخره، والموت أقرب من ذلك، فاستعد لسفرك وتأهب لرحيلك وحول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن، إلى المنزل الذي أنت فيه مقيم، ولا تغتر بما اغتر به المبطلون قبلك، من طول آمالهم، فقصروا عن أمر معادهم، فندموا عند الموت أشد الندامة وأسفوا على تضييع العمر أشد الأسف، فلا الندامة عند الموت تنفعهم، ولا الأسف على التقصير أنقذهم، من شر ما وافى به المغبنون مليكهم يوم القيامة، أي بني: فبادر ثم بادر ثم بادر، فاستمع النصيحة واجتهد بالطاعة، فيا أخي بادر ثم بادر ثم بادر وأقولها لنفسي أولاً: بادر ثم بادر ثم بادر.

تذكرة المتقين · الصفحة ٢٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ٢٢٨