تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ظهورها مسرعين، حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جُعل لهم موعداً، وجٌمعوا هنالك فلم يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب تبارك وتعالى بكرسيه فنصب هناك ثم نصبت لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، وجلس أدناهم وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء على كثبان المسك، مايرون أن أصحاب الكراسي فوقهم العطايا، حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمئنت بهم أماكنهم، نادى المنادي: يا أهل الجنة إن لكم عند ربكم موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ماهو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار، فبينما هم كذلك إذ سطع نور أشرقت له الجنة فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: (يا أهل الجنة سلام عليكم) فلا ترد التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى ويضحك لهم ويقول (أين عبادي الذي أطاعوني بالغيب ولم يروني فهذا يوم ... المزيد) فيجتمعون على كلمة واحدة: قد رضينا فارض عنّا، فيقول (يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي هذا يوم المزيد فاسألوني) فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه فيكشف لهم الرب جل جلاله الحجب، فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره مالولا أن الله تعالى قضى أن لا يحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلاّ حاضره الله محاضرة حتى إنه ليقول للرجل منكم: ألا تذكر يافلان يوم عملت كذا وكذا؟ يذكره بعض غدراته في الدنيا فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي بلغت منزلتك هذه، فيالذة الأسماع بتلك المحاضرة، وياقرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة، قال تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ حادى الأرواح لابن القيّم.

تذكرة المتقين · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ٢١٧