تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[إمّا روضة من رياض الجنة، وإمّا حفرة من حفر النار]

إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن كان هيّناً فما بعده أهون منه، وإن كان عسيراً فما بعده أشد منه.

قال البراء بن عازب - رضي الله عنه -: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أبصر جماعة فقال علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدر بين يدى أصحابه مسرعاً حتى انتهى عليه، فبكى حتى بلّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أى إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا) أحمد بسند حسن (ص ج ص).

وقال - صلى الله عليه وسلم - (لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، يقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود) الترمذي.

وإذا سألنا القبر ماذا فعلت بالموتى؟ لأجابنا بلسان حاله قائلاً: أبليت الأكفان وقطّعت الأوصال ففصلت الكتفين عن العضدين، والمرفقين عن اليدين، والساقين عن القدمين، ولو رأيتني كيف أغلغل التراب في أكفانهم وسالت الأحداق علي وجناتهم، وذهب الدود ينهش أجسادهم، أما تدرى كم طوي فىّ من وجه ناعم، وانطويت علي جود وكرم، أوعلى شقاء وألم، أما رأيت أصحاب الدنيا بينما هم فيه من الخدم يرفلون، وفى القصور يسكنون وعلي الفرش ينامون ويتنعمون، إذ جاءهم ملك الموت، فحيل بينهم وبين ما يشتهون فيخطفهم بلا استئذان من أحد، فإذا هم من هذا كله وتحت أطباق الثري مجندلين مجردين يواجهون أعمالهم وقد عاد عنهم أهلوهم ولم يدخل معهم إلا الأعمال، أما رأيتني وأنا أعتصرهم وأخالف بين أضلاعهم وأضيق عليهم أنفاسهم أمارأيت أرواحهم وهى تستغيث في حفرة من النيران أو تتنعم في روضات من الجنان سبحان الله أهذا كله فيك يا قبر.

تذكرة المتقين · الصفحة ١٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ١٨٣