تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن للموت أخذة تسبق اللمح بالبصر، فكأني أراكم في ثياب من المدر، فقد نقلتم من القصور إلى ظلمة الحفر، حيث لا تٌضرب القباب عليكم ولا الحجر، حيث لا تخرجون فيها إلى اللهو والسمر، رحم الله مسلماً ذكر الله فازدجر.

ياعبد الله: كن حذراً من أربع غارات: غارة ملك الموت على روحك، وغارة الورثة على مالك، وغارة الدود على جسمك في قبرك، وغارة الخصماء على حسناتك يوم القيامة.

ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن

إن الغريب له حق لغربته على المقيمين في الأوطان والسكن

لا تنهرنّ غريباً حال غربته الدهر ينهره بالذل والمحن

سفرى بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني

ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن

ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني

تمر ساعات أيامي بلا ندم ... ولا بكاء ولا خوف ولا حزن

أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً ... على المعاصي وعين الله تنظرني

يا زلة كتبت في غفلة ... يا حسرة بقيت في القلب تحرقني

دع عنك عزلي يا من كان يعزلني ... لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني

دعني أنوح على نفسي وأندبها ... وأقطع الدهر بالتذكار والحزن

دعني أسحّ دموعاً لا قياس لها ... فهل عسى عبرة منها تخلصني

كأنني بين تلك الأهل منطرح ... على الفراش وأيديهم تقلبني

كأنني وحولي من ينوح ومن ... يبكي عليّ وينعاني ويندبني

وقد أتو بطبيب كي يعالجني ... ولم أر الطبيب اليوم ينفعني

واشتد نزعي وصار الموت يجذبها ... من كل عرق بلا رفق ولا هون

وأخرج الروح مني في تغرغرها ... وصار ريقي مريراً حين غرغرني

وسل روحي وظل الجسم منطرحاً ... على الفراش وأيديهم تقلبني

وغمّضوني وراح الكل وانصرفوا ... بعد الإياس وجدوا في شري الكفن

وقام من كان أولى الناس في عجل ... إلى المغسل يأتيني يغسلني

وجاءني رجل منهم فجردني ... من الثياب وأعراني وأفردني

واضجعوني على الألواح منطرحاً ... وصار فوقي خرير الماء أفزعني

تذكرة المتقين · الصفحة ١٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ١٨٤