قال ـ عُمَرُ ـ : ثم انطلَقَ ـ الرجلُ ـ ، فلَبِثْتُ مَلِيّاً(1) ، ثم قال لي ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ : يا عمر أتَدري من السّائلُ؟ قلتُ : اللهُ ورسولُه أعلَمُ ، قال : فإنه جِبريلُ أَتاكُم يُعَلِّمكُم دينَكم))(2) .
وفي الحديث تصريحٌ بأن مَجِيءَ جِبْريل عليه السلام وحِوارَه مع الرسولِ صلى الله عليه وسلم فيما سَأَلهُ عنه إنما هو لغايةٍ تعليميةٍ كريمةٍ .
(1) ـ أي زمناً طويلاً أياماً .
(2) ـ من الفوائد التعليمية التي تُستفادُ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن حَضَر مجلسَ العالم إذا عَلِم بأهلِ المجلِس حاجةً إلى مسألةٍ لا يسألون عنها أن يسألَ هو عنها ، ليَحصُل الجوابُ للجميع ، وفيه أنه ينبغي للعالِم أن يَرفُقَ بالسائلِ ويُدنِيَه منه ، ليَتَمكَّنَ من سؤالِه غيرَ هائبٍ ولا مُنقَبِضٍ ، وأنه ينبغي للسائلِ أن يَرفُقَ في سؤالِه ، أفاده الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 1 :160 .
ويُستنبَط من هذا الحديث أيضاً جوازُ سؤالِ العالِم ما لا يَجهَلُه السائلُ ليَعلَمَه السامع .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم (... يُعلِّمُكم دينَكم) دلالةٌ على أن السؤالَ الحَسَن يُسَمّى علماً وتعليماً ، لأن جبريلَ لم يَصدُرْ منه سوى السؤال ، ومع ذلك فقد سَمّاه النبيُّ مُعلِّماً ، وقد اشتهَرَ قولُهم : حُسنُ السؤالِ نصفُ العلم . أفاده في ((فتح الباري)) 1 :119 و 125 .
وقال القاضي عِياض رحمه الله : ((حديثُ جبريل قد اشتَمَل على شرح جميع وَظائِف العبادات الظاهرةِ والباطنةِ ، من عُقود الإيمان ، وأعمالِ الجَوارِح ، وإخلاصِ السَّرائِر ، والتحفُّظ من آفاتِ الأعمالِ ، حتى إن علومَ الشريعةِ كلُّها راجعةٌ إليه متشعبةٌ منه ، إذ لا يَشُذُّ شيءٌ من الواجباتِ والسننِ والرغائب والمحظوراتِ والمكروهات عن أقسامِه الثلاثة : الإيمان ، والإسلام ، والإحسان)) . نَقَله النووي في ((شرح مسلم)) 1 :158 .