قال : صَدَقتَ ، قال ـ عمر : فعَجِبنا له يَسألُه ويُصَدِّقُه(1) .
قال : فأَخبِرْني عن الإيمان ، قال : أن تؤمِن بالله ، وملائكتِه ، وكُتُبِه ، ورُسِله ، واليومِ الآخِرِ ، وتُؤمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه . قال : صَدَقتَ .
قال : فأخبِرْني عن الإحسانِ ، قال : أن تَعبُدَ الله كأنك تَراه ، فإن لم تكن تَراهُ فإنه يَراك(2)
(1) ـ وجهُ التعجُّب ان السُّؤالَ يَقتضي ـ في الغالب ـ الجهلَ بالمَسؤول عنه ، والتصديقُ يقتضي علمَ السائلِ به ، ومما يزيدُ في التعجُّب أن ما أجابه صلى الله عليه وسلم لا يُعرَف إلاّ من جهتِه ، وليس هذا الرجلُ ممن عُرِف بلقائِه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن سماعِه منه .
وفي بعض روايات حديث جبريل : ((ما رأينا رجلاً مثلَ هذا ، كأنه يُعلِّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يقولُ له : صَدَقتَ صَدَقتَ)) .
(2) ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 1 :157 ـ 158 و ((شرح صحيح البخاري)) ص 245 ـ 246 : ((لو قَدَّرنا أن أحدَنا قام في عبادةٍ وهو يُعاينُ ربَّه سبحانه وتعالى لم يَترُك شيئاً مما يَقدِرُ عليه من الخُضوعِ والخُشوعِ ، وحُسنِ السَّمْتِ ، واجتماعِه بظاهِرِه =
= وباطنِه على الاعتناء بتَتْميمِها على أحسنِ وُجوهِها إلاّ أتى به ، فقال صلى الله عليه وسلم :
اعبُد اللهَ في جميع أحوالك كعبادتِكَ في حال العِيان ، فإن التتميمَ المذكورَ في حال العِيان إنما كان لعلم العبدِ باطّلاع الله سبحانه وتعالى عليه ، فلا يُقدِمُ العبد على تقصيرٍ في هذه الحال للاطلاع عليه ، وهذا المعنى موجودٌ مع عدم رؤيةِ العبد ، فينبغي أن يَعمَل بمُقتضاه .
فمَقصودُ الكلام الحثُّ على الإخلاص في العبادةِ ومُراقَبةِ ربِّه تبارك وتعالى في إتمام الخُشوع والخُضوعِ وغير ذلك ، وقد نَدَبَ أهلُ الحقائق إلى مُجالَسةِ الصالحين ، ليكون ذلك مانعاً من تلبُّسِه بشيء من النقائصِ احتراماً لهم واستِحياءً منهم ، فكيف بمن لا يَزالُ الله تعالى مُطَّلِعاً عليه في سِرِّه وعلانيتِه؟!
فحاصلُ معنى الحديث أنك إنما تُراعي الآداب المذكورةَ إذا كنتَ تَراه ويَراك ، لكونِه يراكَ ، لا لكونك تراه ، فهو دائماً يَراك ، فأحسِنْ عبادتَه ، وغن لم تَرَه ، فتقديرُ الحديث : فإن لم تكن تَراه فاستَمِرَّ على إحسان العبادة ، فإنه يَراك)) .
قال : ((وهذا القدرُ من الحديث أصلٌ عظيم من أصولِ الدين ، وقاعدةٌ مهمةٌ من قواعد المسلمين ، وهو عُمدةُ الصِّدّيقين ، وبُغيةُ السالكين ، وكنزُ العارفين ، ودأبُ الصالحين ، وهو من جوامع الكَلِم التي أوتِيَها النبي صلى الله عليه وسلم)) .
انتهى مُلخَّصاً مع زيادة يسيرة من ((فتح الملهم بشرح صحيح مسلم)) 1 :482 ـ 483 .