.
31 ـ ولفظُ مسلم عن أبي موسى الأشعري قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعَث أحداً من أصحابِه في بعض أمرِهِ ، قال : بشِّروا ، ولا تُنَفِّروا ، ويسِّروا ولا تُعسِّروا)) .
4 ـ رعايتُه صلى الله عليه وسلم الفروقَ الفردية في المتعلمين
وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ المراعاة للفروقِ الفردية بين المتعلِّمين من المُخاطَبين والسائلين ، فكان يُخاطِبُ كلَّ واحدٍ بقدرِ فَهْمِه وبما يُلائِمُ منزلتَه ، وكان يُحافِظ على قُلوبِ المبتدئين ، فكان لا يُعلِّمُهم ما يُعلِّم المنتهين . وكان يجيب كلَّ سائلٍ عن سؤالِهِ بما يَهُمُّه ويُناسِبُ حالَه .
32 ـ روى البخاري في كتاب العلم (باب من خصَّ بالعلم قوماً دون قومٍ كراهيةَ أن لا يَفهموا) ، ومسلم في كتاب الإيمان(1) واللفظ منهما ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : ((أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ـ ومُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَديفُه على الرَّحْلِ ـ قال : يا مُعاذ ، قال : لَبَّيك رسول الله وسَعْدَيْكَ ، قال : يا مُعاذ : قال : لَبَّيك رسول الله وسَعْدَيْكَ ، قال : يا مُعاذ ، قال : لَبَّيك رسول الله وسَعْدَيْكَ . قال : ما من عَبْدٍ يَشْهَدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه ، صِدْقاً من قلبِه إلاّ حَرَّمه الله على النار ، قال : يا رسول الله ، أفلا أُخبرُ به الناس فيَسْتَبْشِروا؟ قال : لا ، إذاً يَتَّكِلوا(2)
(1) ـ البخاري 1 :225 ـ 227 ومسلم 1 :240 .
(2) ـ أي لا تُبَشِّرهم بذلك فإنهم يَمتَنِعون من العمل اعتماداً على ما يَتَبادَرُ من ظاهرِه من أن مجردَ الشهادةِ بالوحدانية والرسالةِ تكفي للنجاة من النار ، ولا يَنتَبِهون إلى ان المرادَ الإتيانُ بالشهادتين مع أداءِ حقوقهما من إطاعةِ الله وإطاعةِ رسولِه في الشرائعِ والأحكام ِ .
وفي الحديث بيانُ وجوبِ أن يُخَصَّ بالعلم الدَّقيق قومٌ فيهم الضبطُ وصحةُ الفهم ، وأن لا يُبذَل لمن لا يَستأهلُه من الطلبة ومن يُخافُ عليه الترخُّصُ والاتكال لتقصيرِ فهمِه ، قاله البدرُ العيني في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) 2 :208 .
وقال الحافظ ابنُ رجب في ((شرح البخاري)) : ((قال العلماء : يُؤخذ من مَنْع معاذ من تبشير الناس لئلا يَتَّكِلوا ، أن أحاديثَ الرُّخَص لا تُشاعُ في عُمومِ الناس ، لئلا يَقْصُر فهمُهم عن المُرادِ بها، وقد سَمِعَها مُعاذ فلم يَزْدَدْ إلاّ اجتهاداً في العمل وخشيةً لله عزَّ وجلَّ ، فأما من لم يَبلُغ منزلتَه فلا يُؤمَنُ أن يُقَصِّر اتكالاً على ظاهر هذا الخبر)) . كذا في ((فتح الملهم شرح صحيح مسلم)) للعلاّمة شَبِّير أحمد العثماني 1 :588 .
وعلى هذا المنوال من تركِ التحديث لكلِّ واحدٍ بكلِّ شيء ، جَرى عملُ الصحابة ، فمن بعدهم من أهل العلم ، فقد روى الإمام البخاري في كتاب العلم ، في الباب السابق الذكر : (باب من خصَّ بالعلم قوماً دون قوم ...) عن على رضي الله تعالى عنه قال : حَدِّثوا الناسَ بما يَعرِفون ، أتُحبّون أن يُكذَّب الله ورسولُه؟ ))
وزاد آدمُ ابنُ أبي إياس في ((كتاب العلم)) له : ((... ودَعوا ما يُنكِرون)) . نقله الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 1 :225 .
والمرادُ بقوله (بما يعرفون) أي يَفهَمون ، وقولُه (ما يُنكِرون) أي يَشْتَبِه عليهم فهمُه ، وأما قولُه (... أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه) ، فذلك لأن الشخصَ إذا سَمِع ما لا يَفهمُه وما لا يَتَصوَّرُ إمكانَه يَعتقدُ استحالتَه جَهْلاً ، فلا يُصدِّقُ وجودَه ، فإذا ذُكِرَ له مثلُ هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يلزَم منه تكذيبُه ، وفي تكذيبِ النبي صلى الله عليه وسلم تكذيبٌ لله عز وجَل . =
= قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 1 :225 : ((فيه دليل على أن المُتَشابِه لا ينبَغي أن يُذكَر عند العامة . ومثلُه قولُ ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه : ما أنت بمُحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تَبلُغُه عقولُهم إلاّ كان لبعضِهم فتنةً ، رواه مسلم ـ في مقدمة ((صحيحه)) 1 :76 ـ .
وممن كَرِه التحديث ببعضٍ دون بعضٍ أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرُها الخروجُ على السلطان ، ومالكٌ في أحاديث الصفات ، ـ أي التي يوهِمُ ظاهرُها التشبيهَ ـ ، وأبو يوسف في الغرائب ، ومِنْ قبلِهم أبو هُريرة ، وحذيفةُ ...
وضابطُ ذلك أن يكون ظاهرُ الحديث يُقَوّي البدعةَ ، وظاهرُه في الأصل غيرُ مرادٍ ، فالإمساكُ عنه عند من يُخشى عليه الأخذُ بظاهِره مطلوبٌ ، والله أعلم)) . انتهى .
وهذا أصلٌ عظيم في باب التعليم ، أن يُراعي المُعلِّمُ مقدارَ عقلِ الطالب وفهمِه ، فيُعطيه ما يَتحمَّله عقلُه ، ويُمسِك عنه ما وراء ذلك .
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في ((إحياء علوم الدين)) 1 :57 ـ 58 : ((من وظائف المُعلِّم أن يَقتَصِر بالمتعلِّم على قدر فهمِه ، فلا يُلقي إليه ما لا يَبلُغُه عقلُه فيُنفِّرُهُ أو يُخَبِّطُ عليه عقله ، اقتداءً في ذلك بسيِّد البَشر صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان يُراعي ذلك في تعليمِه وتحديثِه ووعظه ـ ، فليَبُثَّ إليه الحقيقة إذا عَلِم أنه يَستَقِلُّ بفهمِها .
ولا ينبغي أن يُفشيَ العالمُ كلَّ ما يَعلَم إلى كلِّ أحد ، هذا إذا كان يَفهمُه المتعلِّمُ ولم يكن أهلاً للانتفاع به ، فكيف فيما لا يَفهَمُه؟ ولذلك قيل ـ قائله أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) ـ : ((كِلْ لكل عبدٍ بمِعيارِ عقلِه ، وزِنْ له بميزان فهمِه ، حتى تَسلَم منه ويَنتفِعَ بك ، وإلاّ وَقَع الإنكار لتفاوُتِ المِعيارِ .
وقد قال الله تعالى : (ولا تؤتوا السُّفَهاءَ أموالَكم) ، تنبيهاً على أنَّ حفظَ العلم ممن يُفسِدُه ويَضُرُّه أولى ، وليس الظلمُ في إعطاء غيرِ المُستَحقِّ بأقلَّ من الظلمِ في منع المُستَحِق .
قال : والمتعلِّم القاصرُ ينبغي أن يُلقيَ إليه الجَليَّ اللائقَ به ، ولا يَذكرَ له أنَّ وراءَ هذا تدقيقاً وهو يَدَّخِرُه عنه ، فإن ذلك يُفتِّر رغبته في الجَليّ ، ويُشوِّشُ عليه قلبَه ، ويوهِمُ إليه البُخلَ به عنه ، إذ يَظُن كلُّ أحدٍ أنه أهلٌ لكلِّ علمٍ دقيقٍ .
بل لا ينبغي ان يُخاضَ مع العوام في حقائق العلومِ الدقيقةِ ، بل يُقتَصَر معهم على تعليم العباداتِ وتعليم الامانة في الصناعاتِ التي هم بصددِها ، ويَمْلأُ قُلوبَهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار ، كما نَطَق به القرآن ، ولا يُحرِّك عليهم شبهةً فإنه ربما تعلَّقتْ الشبهةُ بقلبه ويَعسُرُ عليه حَلُّها فيَشقى ويَهلِك)) . انتهى مختصراً .