. فأحكَمَ ما شَرَعَ من نصٍّ وتنْبيه(1) ، وعمَّ الناس بما أمر من حاضرٍ وبعيد ، حتى صار لما تَحَمَّلَه من الشرع مُؤَدِّيا ، ولما تَقلَّده من حقوقِ الأُمّة مُوَفِّيا ، لئلا يكون في حقوق الله زَلَل ، ولا في مصالح الأمّة خَلَل ، وذلك في بُرهةٍ من زمانه ، لم يَستوفِ تَطاوُلُ الاستيعاب ، حتى أوجَز وأنجَز ، وما ذاك إلاّ بديعٌ مُعْجِز .
(1) ـ المراد بالنَّص والتنبيهِ هنا : ما اصطلح عليه علماء أصول الفقه ، وهو أن (النص) : ما جاء فيه لفظُ التعليل للحُكمِ صَراحةً ، مِثلُ قولِه تعالى : (لكيلا تأسَوْا على ما فاتكم) . وقولِهِ صلى الله عليه وسلم : ((إنَّما جُعِلَ الاستئذان من أجل البصر)) .
و(التنبيه) : الإيماء والإشارة إلى علةِ الحكم ، مِثلُ قوله تعالى : (السارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما) . فأشار بلفظ الفاء الداخلة على الحكم : (فاقطعوا) إلى أن علته هي السرقة . ومثلِ قوله صلى الله عليه وسلم : ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) . أي تحوَّل عن الإسلام لغيره . وقوله : ((القاتل لا يرث)) . فأشار إلى أن عِلّة قتلِه رِدَّتُه عن الإسلام ، وأن علة حرمانه من الميراث هي أنه قتلَ مورِّثه .
وهذان المسلكان لبيان الأحكام ـ إلى مسالك أخر ـ يدلان على اتساع الشريعة وشمولها لبيان أحكام الوقائع والحوادث مهما تجدَّدَتْ ، وذلك بقياسِ ما لم يُنصَّ عليه منها ، على ما نُصَّ عليه ، استناداً إلى علةِ الحكم المشتركة بينهما .