والخَصْلة السادسة : انتصابُه لجهادِ الأعداء ، وقد أحاطوا بجهاته ، وأحدقوا بجَنَباته ، وهو في قُطْرٍ مهجور ، وعَدَدٍ محقور ، فزاد به من قَلَّ ، وعزَّ به من ذَلّ ، وصار بإثخانِه في الأعداء مَحذوراً(1) ، وبالرُّعبِ منه منصوراً ، فجمع بين التصدّي لشرع الدين حتى ظَهَر وانتشَر ، وبَيَْ الانتصاب لجهاد العدو حتى قَهَر وانتصر ، والجمعُ بينهما مُعْوِز إلاّ لمن أمَدَّه الله بمعونته ، وأيَّده بلُطفه ، والمُعْوِز مُعْجِز .
والخَصْلة السابعة : ما خُصَّ به من الشجاعة في حُروبه ، والنَّجدةِ في مُصابرةِ عَدوِّه ، فإنه لم يَشهد حَرْباً فيها أَفْزاع(2) ، إلاّ صابَرَ حتى انجلَتْ عن ظَفَرٍ أو دِفاع ، وهو في مَوقفِه لم يَزُلْ عنه هَرَباً ، ولا انحاز منه رَغَباً ، بل ثَبَتَ بقلبٍ آمن ، وجأْشٍ ساكِن .
قد ولّى عنه أصحابُه يوم حُنَيْن ، حتى بَقِيَ بإزاءِ جَمْعٍ كثير ، وجَمٍّ غَفير ، في تِسعةٍ من أهل بيته وأصحابِه ، على بَغْلةٍ مسبوقةٍ إن طُلِبَتْ ، غير مستعدةٍ لهَرَبٍ ولا طَلَب ، وهو ينادي أصحابه ، ويُظهِرُ نفسه ، ويقول : إليَّ عِباد الله : ((أنا النبيُّ ولا كَذِب ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِب)) .
فعادوا أفذاذاً وأرْسالاً(3) ، وهَوَازِنُ تراه وتُحجِمُ عنه ، فما هاب حَرْبَ مَنْ كاثَرَه ، ولا انكفَأَ عن مُصاوَلةِ من صابَرَه ، وقد عَضَده الله بإنجادٍ وأجْناد فانحازوا وصَبَر ، حتى أَمَدَّه الله بنصره ، وما لهذه الشجاعة من عَديل .
(1) ـ أثْخَن في العدوّ إذا بالغ في قتاله .
(2) ـ الأفزاع : جمع فَزَع ، وهو الخوف والذعر .
(3) ـ الأفذاذ جمع فَذّ ، وهو الفَرْد . والأرسال جمع رَسَل ، وهو الجماعة .