ثم مهَّدَ لشرعه أُصولاً تَدُلُّ على الحوادث المُغْفَلة ، وتُستنْبَطُ لها الاحكام المعلَّلة ، فأغنى عن نَصٍّ بعد ارتفاعه ، وعن التباس بعد انقطاعه(1) ، ثم أمَرَ الشاهد أن يُبلِّغَ الغائب ليَعلضم بإنذاره ، ويحتجَّ بإظهاره ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((بلِّغوا ولا تكْذِبوا عليّ ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه))(2)
(1) ـ هذا المقطع وقع فيه تحريف لم أهتد إلى تصويبه! وجاء في الأصل : (وعن التباس بعدَ إغفالِه) فأثبته كما ترى ، لعله أقرب للصواب؟ .
والإمام الماوردي يعني : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مَهَّدَ وأصَّلَ لهذا الشرعِ أصولاً يُرجَع إليها لمعرفة الأحكام التي لم يُنَصَّ عليها ، فأغنى بتلك الأصول المَقيسِ عليها ـ بعد ارتفاع النصّ أي الوحي وانقطاعهـ عن التخبُّط والاشتباه في معرفة الأحكام والحوادث والوقائع غيرِ المنصوص عليها . وفي هذا يُسرٌ عظيمٌ للناس .
(2) ـ كأنَّ الماوردي رحمه الله تعالى جَمَع في هذا السياقِ بين أحاديثَ مختلفةٍ ، وهي كما يلي :
روى البخاري 3 : 574 في كتاب الحج (باب الخطبة أيام مِنىً) ، ومسلم 11 : 169 في كتاب القَسامة ، عن أبي بَكْرَة رضي الله عنه قال : خَطَبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((ليُبَلِّغ الشاهِدُ الغائبَ ، فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع)) .
وروى أبو داود 3 : 438 ، والترمذي 4 : 141 ، واللفظُ له ، وابن ماجَهْ 1 : 84 ، عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((نضَّر اللهُ مرءاً سَمع منا حديثاً فَحفِظه حتى يُبلِّغه غيرَه ، فرُبَّ حامِل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ، ورُبَّ حامِل فقهٍ ليس بفقيهٍ)) . قال الترمذي : ((حديث حسن)) .
وروى البخاري 6 : 496 في كتاب أحاديث الأنبياء (باب ما ذُكِرَ عن بني إسرائيل) ، والترمذي 4 : 147 في العلم ، عن عبد الله بن عَمْرو رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بلِّغوا عني ولو آيةً ، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج ، ومن كَذَب علي متعمِّداً فليتبوَّأ مقعدَه من النار)) . ...
وروى البخاري أيضاً 1 : 199 ومسلم 1 : 66 عن علي رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تكذِبوا عليَّ ، فإنه من يكذِبْ عليَّ يَلِجْ النار)) .