تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخَصْلة الرابعة : أنه لم يَمِلْ بأصحابه إلى الدنيا ، ولا إلى رَفْضِها ، وإنما أمَرهم فيها بالاعتدال ، وقال : ((خيرُكم من لم يترُكْ دُنياه لآخِرَتِه ، ولا آخِرتَه لدنياه ، ولكن خيرُكم من أخَذَ من هذه وهذه))(1) .

وهذا صحيح ، لأن الانقطاع إلى أحدهما اختلال ، والجمعَ بينهما اعتدال .

وقال صلى الله عليه وسلم : ((نعم المطيّةُ الدُّنيا ، فارتحلوها تُبَلِّغُكم الآخِرة))(2) . وإنما كانت كذلك ، لأن منها يَتزوَّدُ المرءُ لآخرتِه، ويستكثر فيها من طاعتِه ، ولأنه لا يخلو تاركُها من أن يكون محروماً مُضاعاً ، أو مرحوماً مُراعى ، وهو في الأوَّل كَلّ ، وفي الثاني مُستَذَلّ .

والخَصْلة الخامسة : تَصدّيه لمعالِم الدين ، ونوازِل الأحكام ، حتى أوضح للأُمّة ما كُلِّفوه من العبادات ، وبيّن لهم ما يَحِلُّ ويَحرُمُ من مُباحاتٍ ومحظورات ، وفصَّلَ لهم ما يجوزُ ويمتنعُ من عقود ومناكحَ ومُعاملات ، حتى احتاجَ أهلُ الكتاب في كثيرٍ من معاملاتهم ومَواريثهم لشرعِه ، ولم يَحتَجْ شرعُه إلى شَرْعِ غيره .

(1) ـ رواه الديلمي وابن عساكر في ((تاريخه)) عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، ولفظه قريب مما ذُكر هنا وهو : ((ليس بخيركم من تَرَك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يُصيبَ منهما جميعاً ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كَلاًّ على الناس)) .

(2) ـ لم أجده بهذا اللفظ ، وقريبٌ منه حديثُ : ((الدنيا قنطرةُ الآخرة ، فاعبروها ولا تَعمُروها)) ، ذكره الديلمي في ((الفردوس)) 2 : 351 ولم يذكر له سنداً .

وروى الحاكم في ((المستدرك)) 4 : 312 عن طارق بن أشيَم مرفوعاً ((نِعْمَتْ الدارُ الدنيا لمن تَزَوَّد منها لآخرته حتى يُرضي ربَّه عز وجل)) . صحَّحه الحاكم إلاّ أن في سنده عبد الجبار بن وهب ، وهو لا يُعرَف .

الرسول المعلم · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسول المعلمص ٤١