وهذا من شرف أخلاقه ، وكريم شِيَمه ، فهي غَريزة فُطِرَ عليها ، وجِبِلّةٌ طُبِعَ بها(1) ، لم تَنْذُرْ فتُعَدُّ(2) ، ولم تُحْصر فتُحَدّ .
والخصلة الخامسة : حِلمُهُ ووَقارُه عن طَيْشٍ يهُزُّه ، أو خُرْقٍ يستفِزُّه(3) ، فقد كان أحلمَ في النِّفار من كل حليم(4) ، وأسلمَ في الخِصام من كل سليم ، وقد مُني بجفوة الأعراب(5) ، فلم يوجد منه نادرة(6) ، ولم يُحفظ عليه بادِرة(7) . ولا حليمَ غيرَه إلاّ ذو عَثْرة ، ولا وَقور سِواه إلاّ ذو هَفْوة ، فإن الله تعالى عَصَمه ، من نَزْغِ الهوى ، وطَيْشِ القُدرة بهفوة أو عَثْرة ، ليكون بأُمَّته رؤوفاً ، وعلى الخلق عَطوفاً .
وقد تناولتْهُ قريشٌ بكل كبيرة ، وقصدَتْهُ بكل جَريرة(8) ، وهو صبورٌ عليهم ، ومُعرِض عنهم ، وما تفرَّدَ بذلك سُفهاؤهم دون حُلمائهم ، ولا أراذِلُهم دون عُظمائهم ، بل تَمالأَ عليه الجِلّةُ والدُّون(9) .
فكلما كانوا عليه من الأمر ألحَّ ، كان عنهم أعرضَ وأصفَح ، حتى قَهرَ فعفا ، وقدَرَ فغفَر .
(1) ـ الجِبِلّة : الخِلْقة .
(2) ـ لم تندر ، أي لم تكن نادرة قليلةً فتعد .
(3) ـ الخُرْقُ : الجهل ، والحُمق .
(4) ـ النِّفار : الجَزَعُ والخوف .
(5) ـ مُني : أُصيبَ .
(6) ـ أي كلمةٌ نابيةٌ خارجةٌ عن المعتاد .
(7) ـ البادِرة : حِدّة الغضب السريعة .
(8) ـ الجريرة : الجناية .
(9) ـ يقال : تمالأ القوم على كذا ، إذا اجتمعوا وتعاونوا عليه . وجِلّةُ القوم : عظماؤهم . والدّون : الخسيس الحقير .