لم يُخلِّف عيْناً ولا دَيْناً(1) ، ولا حَفر نهراً ، ولا شيَّد قصراً ، ولم يُورِّث ولده وأهله متاعاً ولا مالاً ، ليصرفهم عن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها ، فيكونوا على مِثلِ حالِه في الزُّهد فيها .
وحقيقٌ بمن كان في الدنيا بهذه الزَّهادة ، حتى اجتَذَب أصحابَه إليها ، أن لا يُتَّهَم بطلبها ، ويكذب على الله في ادّعاء الآخرة بها ، ويَقنَع في العاجل ، وقد سُلِب الآجل ، بالميسور النَّزْر ، ورضيَ بالعيش الكَدْر .
والخَصلة الرابعة : تواضُعُه للناس وهم أتباع ، وخفضُ جناحه لهم وهو مُطاع ، يمشي في الأسواق ، ويجلس على التُراب ، ويَمتزِجُ بأصحابه وجُلسائِه ، فلا يتميَّز عنهم إلاّ بإطراقِهِ وحيائِه ، فصار بالتواضع متميِّزاً ، وبالتذلُّل متعزِّزاً .
ولقد دخل عليه بعض الأعراب ، فارتاع من هيْبته ، فقال له : خَفِّضْ عليك(2) ، فإنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القَديد بمكة(3) .
(1) ـ أي دَيْناً له على الناس ، بل قد مات صلى الله عليه وسلم ودِرعُه مرهونة عند يهودي في طعام أهله .
(2) ـ أي سكِّن قلبك واطمئن ولا تجزع مني .
(3) ـ القديد اللحمُ المجفَّف بالشمس . =
= وأراد بقوله صلى الله عليه وسلم : (إنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القَديد بمكة) : نفيَ صفة الملوكية عنه التي يلزمها الجبروتية والتكبر . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (أنا ابن امرأة ...) نَسَب نفسه إلى المرأة ، ولم يقل : (أنا ابن رجل) زيادةً في شدة التواضع وتسكينِ الرَّوْع ، لِما عُلِمَ من ضعف النساء . ثم وصَفَها بأنها (تأكل القديد) تواضعاً ، لأن (القديد) أكلٌ مَفْضول ، وهو مأكول المساكين الفقراء ، والمتكبرون الجبابرة لا يأكلون من اللحم إلاّ ما ذُبح حديثاً ، فكأنه قال : إنما أنا ابنُ امرأةٍ مسكينة ، تأكل مَفْضول الأكل ، فكيف تَخافُ مني؟ . أفاده العلامة القَسطلاّني رحمه الله تعالى في ((المواهب اللدنية)) 4 : 319 ـ 320 بشرح الزرقاني .