وقال لهم حين ظَفِر بهم عامَ الفتح(1) ، وقد اجتمعوا إليه : ما ظنُّكم بي؟ قالوا : ابنُ عمٍّ كريم(2) ، فإنْ تعْفُ فذاك الظنُّ بك ، وإن تنتقِمُ فقد أسأنا ، فقال : بل أقول كما قال يوسف لإخوته : (لا تَثْريبَ عليكم اليومَ ، يَغفِرُ الله لكم وهو أرْحَمُ الراحمين)(3) .
وأتَتْهُ هندٌ بنتُ عُتْبة ـ وقد بَقَرَتْ بطنَ عمِّه حمزة ، ولاكَتْ كَبِدَهُ(4) ـ فصفحَ عنها ، وبايَعَها .
والخَصْلة السادسة : حِفظُه للعَهْد ، ووفاؤُه بالوَعْد ، فغنه ما نَقَض لمحافظ عهداً ، ولا أخلَفَ لمُراقِبٍ وعداً ، يرى الغَدْرَ من كبائر الذنوب ، والإخلافَ من مساوىء الشِّيَم ، فيَلتزِم فيهما الأغلظ ، ويرتكبُ فيهما الأصعب ، حِفظاً لعهده ، ووفاءً بوعده ، حتى يَبتدىء مُعاهِدوه بنقضه ، فيجعل اللهُ تعالى له مخرجاً ، كفعل اليهود من بني قُريظة وبني النَّضير ، وكفعل قُريش بصُلْح الحُدَيْبِية ، فجعل الله تعالى له في نَكْثِهم الخِيَرة(5) .
(1) ـ أي فتح مكة .
(2) ـ كذا وقع في كلام الماوردي : ابن عمٍّ كريم ، والمحفوظ في هذا الخبر : ((قالوا : أخٌ كريم ، وابنُ أخٍ كريم ..)) . كما في ((السيرة)) لابن اسحاق ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 8 : 15 ، والزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) 2 : 377 ، وكما في ((مغازي الواقدي)) 2 : 835 ، و((عيون الأثر)) لابن سيد الناس 2 : 178 ، و((زاد المعاد)) لابن القيم 2 : 394 ، و((بهجة المحافل)) لليمني 1 : 410 . وبقية ألفاظ الخبر في هذه الكتب قريبة المعنى من النص المذكور هنا .
وجاء في رواية ثانية : ((ما تُرَوْن أني فاعل بكم ..)) . و(تُرَوْن) بضم التاء ، بمعنى تظنون ، كما ضبطها في ((بهجة المحافل)) .
(3) ـ من سورة يوسف ، الآية 92 .
(4) ـ أي مضَغَت كَبِد عمِّه حمزة في فمها حين بقَرَتْ بطنَه ، زيادة في التشفي بقتله رضي الله عنه .
(5) ـ أي ما هو الأفضل .