الخِصلة الأولى : رجاحةُ عقله ، وصحّة وَهْمِه(1) ، وصدقُ فِراسته ، وقد دلَّ على وفور ذلك فيه صحةُ رأيه ، وصوابُ تدبيره ، وحسنُ تألُّفه ، وانه ما استُغْفِلَ في مكيدة ، ولا استُعجِزَ في شديدة ، بل كان يَلحَظُ الأعجاز في المبادي(2) ، فيكشِفُ عيوبَها ، ويحُلُّ خُطوبَها ، وهذا لا ينتظم إلاّ بأصدق وَهْم ، وأوضح حَزْم .
والخَصْلة الثانية : ثباتُه في الشدائد وهو مطلوب(3) ، وصبرُه على البأساء والضرّاء وهو مكروبٌ ومحروب(4) ، ونفسُهُ في اختلاف الأحوال ساكنة ، لا يَخور في شديدة(5) ، ولا يَستكين لعظيمة(6) ، وقد لَقِيَ بمكة من قريش ما يُشيبُ النواصي ، ويَهُدُّ الصَّياصي(7) ، وهو مع الَّعْف يُصابِر صبْرَ المستعلي ، ويثبُتُ ثبات المستولي .
والخَصلة الثالثة : زهدُه في الدنيا وإعراضُه عنها ، وقناعتُه بالبلاغ منها(8) ، فلم يَمِلْ إلى نضارتها ، ولم يَلْهُ بحلاوتها(9) ، وقد مَلَك من أقصى الحجاز إلى عِذارِ العراق(10) ، ومن أقصى اليَمَن إلى شَحْرِ عُمان(11) ، وهو أزهد الناس فيما يُقتنى ويُدَّخَر ، وأعرضُهم عما يُستفاد ويُحتَكَر .
(1) ـ أي صحة ما يقع في ذهنه من الخواطر ، تقول في لغة العرب : وَهَمْتُ أهِمُ وَهْماً ـ على وزن وعَدَ يَعِدُ وَعْداً ـ إذا وقع الشيءُ في خاطرك وخَلَدك .
(2) ـ أي يبصر عواقب الأمور في مبادئِها .
(3) ـ أي مطلوب من أعدائه .
(4) ـ أي مُحارَب .
(5) ـ لا يخور : لا يضعف .
(6) ـ لا يستكين : لا يذل ولا يخضع .
(7) ـ الصياصي : الحصون المنيعة .
(8) ـ البلاغ : اليسير الذي يُتوصَّل به إلى الغاية .
(9) ـ أي لم يأنس بها ويعجب بلذتها .
(10) ـ العِذار : الجانب .
(11) ـ أي ساحل بحر عُمان .