ويصبِر للغريب على الجَفْوَةِ في مَنْطِقِه ومَسْألَتِه(1) ، حتى إنْ كان أصحابُه ليَستجلبونهم(2) . ويقول : إذا رأيتم
(1) ـ أي يصبر عليه في جفاِ نُطقِه وغِلْظَةِ كلامه وخُشونة سؤاله . وقد كان يقع هذا من جُفاةِ الأعراب أهلِ البادية ، الذين لم يختلطوا بالناس .
(2) ـ أي يستجلبون أولئك الأعراب إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم ، ليستفيدوا من سؤالهم له ، إذ يسألونه ما يَهاب أصحابُه السؤال عنه توقيراً له .
قال أنس رضي الله عنه : ((كنا نُهينا في القرآن أن نَسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكان يُعجِبُنا أن يَجيء الرجلُ من أهل البادية العاقلُ فيسألَه ، ونحن نسمع)) . رواه مسلم 1 : 169 و171 ، والنسائي 4 : 121 .
والآية التي يُشير أنسٌ رضي الله عنه إلى وُرودِ النهي فيها ، هي قولُه تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسُؤكم) ، وقد كانوا قبلَ نزولها يسألون ، ويكثرون السؤال ، عما هو ضروري وغير ضروري ، فنُهوا عن السؤال غير الضروري ، وسُمِح لهم بالسؤال عما يُفيدُ ويُحتاجُ إليه .
ولذا قال : (كان يُعجبُنا أن يجيء الرجل العاقل) وذلك لكونه أعرف يكيفية السؤال وآدابه والمهم منه ، وأدْرى بحُسن المراجعة ، وبهذا يَعظُمُ الانتفاع بالسؤال ويعُمُّ النفعُ بجوابه أيضاً . =
= قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد)) 3 : 121 : ((وكانوا يورِدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُشكِلُ من الأسئلة والشُّبُهات ، فيُجيبُهم عنها بما يُثلِجُ صدورهم ، وقد أورد عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه ، أعداءه للتعنُّت والمُغالبة ، وأصحابُه للفهْمِ والبيان ، وزيادة الإيمان ، وهو يُجيبُ كُلاًّ عن سؤاله ، إلاّ ما لا جواب عنه ، كسؤالهم عن وقت السّاعة)) .