، كلامُه فَصْل(1) ، لا فُضولَ ولا تقصير(2) .
ليس بالجافي ولا المَهين(3) ، يُعظِّمُ النِّعمةَ وإن دَقَّتْ(4) ، لا يَذُمَّ منها شيئاً ، غيرَ أنه لم يكن يَذُمُّ ذَواقاً ولا يَمدَحُه(5) ، ولا تُغضِبُه الدنيا ولا ما كان لها(6) ، فإذا تُعدِّيَ الحقُّ لم يَقُمْ لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له(7) ، ولا يَغضَبُ لنفسه ولا ينتصر لها .
إذا أشارَ بكفِّه كلِّها ، وإذا تَعجَّب قَلَبها ، وإذ تحدّضث اتَّصل بها وضرب براحتِه اليُمنى بَطنَ إبهامِه اليُسرى ، وإذا غضِب أعرضَ وأشاح(8) ، وإذا فرِح غضَّ طرْفَه ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبسُّم ، يَفْتَرُّ عن مثل حَبِّ الغمام))(9)
(1) ـ أي فاصِلٌ مُبينٌ لما قاله فيه أتمَّ البيان ، تَقبَلُه العقول لنصاعته وحَقِّيَّتِه ، وتَستلِذُّهُ الأسماعُ لفصاحتِه وجَزالتِه .
(2) ـ أي لا إفراطَ فيه ولا تفريط .
(3) ـ أي ليس بغليظِ الطبع ثقيل النفس . وقولُه : ولا المَهين : أي ليس هو بالمحتَقَرِ المبتذَل ، بل كان مَهيباً مُوَقَّراً ، من رآه بَديهةً هابَهُ ، ومن خالطَهُ معرفةً أحبَّه .
(4) ـ أي صغُرَت وقلَّت .
(5) ـ الذَّواقُ : الشيءُ المَذوق ، سواءٌ كان طعاماً أو شراباً . فلم يكن صلى الله عليه وسلم يُذكَرُ في مجلسه الشريف المُفاضلة بين الأطعمة أو الاشرِبة ، كشأن بعض أهل الدنيا الذين يَهتمُّن بالطعام والشراب والملذّات ، وتكون حديث مجالسهم! .
(6) ـ بل كان صلى الله عليه وسلم لا يَغضَبُ إلا لله تعالى .
(7) ـ أي لم يقُم لدفع غضبه حتى ينتصر للحق .
(8) ـ أي قبض وجهه عمن غضِب عليه ، فلا يُقابله بما يقتضيه الغضب .
(9) ـ أي يضحكُ عن أسنانٍ جميلةٍ بيضاء ناصعة ، مثل اللؤلؤ المشيَّهِ بحبِّ الغمام وهو البرد .
والضَّحك في مواطنه فِعلٌ حسنٌ محمود ، لما فيه من الخير الملاقي للطباع ، والمُواتي للمقام ، فلا غرابة أن يَضحك سيِّدُ الناس وأعظم البشر صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمرو الجاحظ في فاتحة كتابه ((البخلاء)) ص 5 : بعدَ أن تحدَّث عن فوائد البكاءِ ومنافعِهِ التي تعود على الروح والجسم جميعاً ، قال ((فما ظَنُّك بالضَّحِك الذي لا يزال صاحبُه في غاية السرور إلى أن ينقطع عنه سببُه . ولو كان الضَّحِك قبيحاً من الضاحك أي في مواطن الضحك ـ وقبيحاً من المُضْحِك ، لما قيل للزّضهرة ، والحِبَرة ، والحَلْي ، والقَصْر المبنيِّ : كأنه يَضحكُ ضَحِكاً . وقد قال الله جلَّ ذِكرُه : (وأنَّه هو أضحكَ وأبكى وأنَّه هو أَماتَ وأحيَى) . فوََع الضَّحِك بحذاءِ الحياة ، ووضع البكاء بِحِذاءِ الموت . وإنه لا يُضيفُ اللله إلى نفسه القبيح ، ولا يمُنُّ على خَلْقِه بالنقص .
وكيف لا يكون موقِعُه من سرور النَّفس عظيماً ، ومن مَصلحة الطِّباع كبيراً ، وهو شيء في أصل الطباع ، وفي أساس التركيب ، لأن الضحك أوَّل خيرٍ يظهر من الصَّبي ، وبه تَطيب نفسه ، وعليه يَنْبُتُ شَحْمهُ ، ويكثر دمُه الذي هو عِلّة سروره ، ومادَّةُ قُوَّته . =
= ولفضلِ خِصالِ الحك عند العرب ، تُسمّي أولادَها : بالضحّاك ، وبِبسّام ، وبطَلْق ، وبطليق . وقد ضَحِكَ النبي صلى الله عليه وسلم ومَزَحَ ، وضحك الصالحون ومزحوا . وإذا مدحوا قالوا : هو ضَحوكُ السن ، وبسّامُ العَشِيّات ، وهشٌّ إلى الضَّيف ، وذوا أَرْيَحيّضةٍ واهتزاز .
وإذا ذَمّوا قالوا : هو عَبوس ، وهو كالح ، وهو قطوب ، وهو شيِّم المُحَيّا ، وهو مُكْفَهِرٌّ أبداً ، وهو كريهومُقبَّض الوجه ، وحامِضُ الوجه ، وكأنما وجهه بالخلِّ منضوح .
ــــ قال عبد الفتاح : وما اجمل قولَ الشاعر الوَصّاف المبدع :
ضَحوكُ السِّنِّ إنْ نطقوا بخيرٍ وعندَ الشَّرِّ مِطراقٌ عَبوسُ ـــــ
وللضحك موضعٌ وله مقدار ، وللمرح موضعٌ وله مقدار ، متى جازَهُما أحدٌ ، أو قصَّر عنهما أحد ، صار الفاضِل خطلاً والتقصير نَقْصاً . فالناسُ لم يعيبوا الضحك إلا بقدَر ، ولم يَعيبوا المزح إلا بقدر ، ومتى أُريد بالمزح النفعُ ، وبالضَّحِكِ الشيءُ الذي له جُعِل الضحك ، صار المزح جِدّاً والضحكُ وقاراً)) .