قال عمر : فِدىً لك أبي وأمي ، مُرَّ بجنازة فأُثني عليها خيراً ، فقلتَ : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شراً ، فقلت : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أَثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ، ومن أَثنيتم عليه شراً وجبت له النار ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض))(1)
(1) ـ قوله صلى الله عليه وسلم : (أنتم شُهداء الله في الأرض) ، خطابٌ منه صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم ، ولكن قال العلماء : ليس هذا القولُ الكريم مخصوصاً بهم فحسب ، بل يَدخلُ فيه الصحابة ومن كان صفتهم من المتقين والمتقيات والمؤمنين والمؤمنات .
واختلف العلماء في فهم معنى هذا الحديث الشريف ، قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 7 :19 ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 3 :231 : ((قال بعضهم : معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثنى عليه أهلُ الفضل والدين ، وكان مطابقاً للواقع ، فهو من أهل الجنة ، فغن كان غيرَ مطابق فلا ، وكذا عكسُه .
تعالى الناسَ الثناء عليه بخير ، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة ، سواء كانت أفعالُه تقتضي ذلك أم لا ، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة ، فإذا أَلهم الله عز وجل الناسَ الثناءَ عليه بالخير ، استدللنا بذلك على أنه سبحانه قد شاء المغفرة له .
وبهذا تظفر فائدةُ الثناءِ وقولِهِ صلى الله عليه وسلم : ((وجبت ، وأنتم شهداءُ الله في الأرض ...)) . ولو كان لا ينفعه ذلك إلاّ أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء عليه فائدة ، وقد أثبَتَ النبي صلى الله عليه وسلم له فائدة)) . انتهى .
وفي الحديث من الأمور التعليمية : استحبابُ توكيد الكلام المُهِمّ بتكراره ، ليُحفَظ ، وليكون أبلغ في نفس سامعه . وفيه من أساليب التعليم : الغجمال ثم البيان ليكون أشوق وأوقع في السمع ، فقد أَجملَ صلى الله عليه وسلم في قوله (وجبت) لكل من الجنازتين ، ثم بيَّن أن = = قوله لذي الخير : (وجبت) أي وجبت له الجنة ، وأنَّ قولَه لذي الشر : (وجبت) أي وجبت له النار . والمرادُ بالوجوب هنا : الثبوت ، لتحقق وقوعه . والأصل أنه لا يجب على الله شيء ، بل الثوابُ فضلُه ، والعقاب عدلُه .