تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الاستِكشافِ عنه للترغيب فيه أو الزَّجْر عنه(1)

وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُبهِمُ الشيءَ ترغيباً فيه لحملِ السامع على الاستِكشافِ عنه فيكونَ أوقعَ في نفسِه وأحَضَّ له على إتيانِه .

114 ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال(2) : ((كُنّا جُلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهل الجنةِ ، فطلَعَ رجلٌ من الأنصار(3)

(1) ـ تقدّم مثال لما كان الإبهام فيه للزجر عنه في ص167 ، في الحديث 105 ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ((والله لا يؤمن من لا يَأمَنُ جارُه بوائقه ...)) .

(2) ـ رواه الإمام أحمد في ((المسند)) في (مسند أنس) 3 :166 ، من طريق (عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الزهري ، عن أنس ...) .

وهو كذلك في ((المصنَّف)) لعبد الرزاق 11 :287 ، و((الزهد)) لابن المبارك ص241 ، من طريق معمر ، عن الزهري ، عن أنس . واللفظُ عندهم متوافق إلاّ قليلاً .

واللفظ المذكور هنا من ((المسند)) ومن ((الترغيب والترهيب)) للحافظ المنذري عنه ، في (باب الترهيب من الحسد) 5 :178 ، وقال المنذري : ((إسناده على شرط البخاري ومسلم)) .

(3) ـ هو (سعد بن أبي وقّاص) رضي الله عنه ، كما جاء مصرَّحاً باسمه في ((البداية والنهاية)) للحافظ ابن كثير 8 :74 ، في ترجمة (سعد بن أبي وقاص) من طريق ابن وَهْب : ((عن انس بن مالك ، قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهلِ الجنة ، فطلَعَ سعد بن أبي وقاص ...)) إلى آخر القصة بنحوِ اللفظ المذكور .

وكما جاء مُصرَّحاً باسمه أيضاً في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري 5 :178 ، من رواية البزّار عن أنس بن مالك ، وكذا من رواية البيهقي : ((عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ـ عبد الله بن عمر ـ ، قال : كنا جُلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لَيَطْلُعَنَّ عليكم رجلٌ من هذا الباب من أهل الجنة ، فجاء سعد بن مالك فدخل منه ...)) إلى آخر الحديث المذكور هنا بنحو لفظه . و(سعد بن مالك) هو (سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه .

وروى الإمام أحمد هذا الحديث مختَصَراً في (مسند عبد الله بن عمرو) في ((مسنده)) 2 :222 ، بسندٍ ضعيف ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوَّلُ من يَدخُلُ من هذا الباب رجلٌ من أهلِ الجنة ، فدخل سعد بن أبي وقاص)) . ولم يذكر القصة التي في الحديث .

وقال الحافظ الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) 2 :282 في ترجمة (سعد بن أبي وقاص) أيضاً : ((وجاء عبد الله بن عمر ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو من وجوهٍ ضعيفةٍ : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أوَّلُ من يَدخُلُ من هذا الباب عليكم رجلٌ من أهل الجنة ، فدخل سعد بن أبي وقاص)) . وذكر الحافظُ الذهبي أيضاً نحوَ هذا في ((سِيَر أعلام النبلاء)) 1 :72 ـ 73 .

و(سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه : مكيٌّ مُهاجِريّ ، وليس من (الأنصار) قولاً واحداً ، فيكون لفظُ (من الأنصار) في رواية ((المسند)) وغيرِه : ((فطَلَعَ رجلٌ من الأنصار ...)) : مَزيداً سَهْواً من بعض الرواة فيما يبدو ، والله أعلم ، وقد خَلَتْ منه روايةُ ابن وَهْب من طريق أنس نَفْسِه ، كما ساقها الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) 8 :74 .

ويحتمل ـ على بعد ـ أن يكون المراد بقوله : (من الأنصار) المعنى الأعم ، لا المعنى الذي في مقابل (المهاجري) ، كما وُجِّهَ ما رُوي في قصة إسلام (عبد الله بن أبي السَّرْح) يوم فتح مكة : فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، ألا أومأتَ إلينا بقتله؟ ... ، قال الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) 2 :371 ((الرجل : عباد بن بشر الأنصاري ، وقيل : عمر ، وتسمية (عمر) أنصارياً بالمعنى الأعم : (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله) )) انتهى .

هذا ، وقد قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) 3 :187 عند هذا الحديث ما نصُّه : ((رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشيخين ، ورواه البزّارُ وسمّى الرجلُ المبهم في روايةٍ له سعداً ، وفيها ابنُ لهيعة)) . انتهى .

وقد تصحَّف (سعد) في نسخةِ العلامة الزَّبيدي من ((تخريج الإحياء)) إلى (سفيان) كما تراه في ((إتحاف السادة المتقين) له 8 :51 ، فلم يتبيَّن له سفيان هذا من هو؟ والواقع أنه (سعد) كما في ((مسند البزار)) (3 :208 كشف) ، وكما في عِدَّةِ نُسَخٍ صحيحةٍ من ((تخريج الإحياء)) .

وقول الحافظ العراقي رحمه الله تعالى : ((وفيها ابنُ لهيعة)) فيه نظر ، فليس في رواية البزار ابن لهيعة ، بل فيها (عبد الله بنُ قيس الرَّقاشي) فاعلمه .

وقع في اسم الصحابي الذي بايَتَ (سعد بن أبي وقاص) تحريفٌ في كثير من الكتب ، فقد وقع في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري 5 :178 ، عند ذكر رواية البيهقي لهذا الحديث هكذا : (فقال عبد الله بن عمر ...) . ووقع مثله تماماً في ((الزواجر)) لابن حجرٍ المكي ، في (الكبيرة الثالثة : الغَضَبُ بالباطل ، والحقدُ والحسد) . وما نقله ابن حجر في كتابه و نصُّ المنذري بحروفه في ((الترغيب)) ولكنه لم يَعْزُه إليه ، فدلَّ على أن التحريف في ((الترغيب)) قديم ، إذ الحادثةُ لا تَحتمِلُ التعدُّد .

ووقع في ((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثمي 8 :78 هكذا : (وعن ابن عمر أن النبي قال ... وتَبِعَه عبد الله بن عمر) . انتهى .

وقد جاء في هذه المواطن كلها تسمية التابعِ المُبايِتِ له بلفظ (عبد الله بن عمر) من غير واوٍ بعد الراء . وهو تحريفٌ مقطوع به . وصوابُه : (عبد الله بن عمرو) بفتح العين في أوَّله ، وبالواو بعد الراء في آخره ، فقد جاء في ((المسند)) للإمام أحمد ، و((المصنَّف)) لعبد الرزاق ، و((الزهد)) لابن المبارك التصريح باسمه : (عبد الله بن عمرو بن العاص) ، ولتصريحِ كُتُبِ ((الأطراف)) بذلك أيضاً .

فقد ذكَرَ الحافظ المِزّيُّ في كتابه ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) 1 :394 طَرَفاً من الحديث ، من طريق (مَعْمَر بن راشد عن الزُّهري عن انس) كما هي رواية ((المسند)) ، ثم عزاه إلى ((المسند)) وإلى النسائي في ((اليوم والليلة)) ، وقال : ((وفيه قِصّةُ عبد الله بن عمرو بن العاص)) . وأقرَّه عليه الحافظ ابن حجر في ((النُّكَتِ الظِّراف)) . وأفاد أن البيهقي رواه في ((الشُّعَب)) ، ورواه الخرائطي في ((مَكارم الأخلاق)) .

فتبين من هذا أن الذي بايَتَ (سعداً) هو (عبد الله بن عمرو بن العاص) ، لا (عبد الله بن عمر بن الخطاب) رضي الله عنهم ، إذ الحادِثةُ لا تَحْتَمِلُ التعدُّدَ كما أسلفتُه ، والحمد لله على توفيقِه وفضلِه ..

الرسول المعلم · الصفحة ١٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسول المعلمص ١٤٦