قال أبو بكر : يا رسول الله بأبي وأُمّي أنتَ ، واللهِ لَتَدَعَنّي فلأُعَبِّرَنَّها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعْبُرْها . قال أبو بكر : أما الظُّلّةُ فظُلَّةُ الإسلام ، وأما الذي يَنِطُفُ من السمن والعسل فهو القرآن حلاوتُه ولينُه . وأما ما يتكفف الناسُ من ذلك فالمستكثِرُ من القرآن والمستقِلُّ منه . وأما السببُ الواصلُ من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه ، تأخُذُ به فيُعليك الله ، ثم يأخُذُ به بعدك رجلٌ فيَعْلو به ، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ، ثم يأخُذُ به رجل آخر فينقطع ، ثم يوصلَ له فيعلو به .
فأخبِرني يا رسول الله بأبي أنت ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً(1)
(1) ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 15 :19 عند هذا الحديث الشريف : ((اختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً) ، فقال ابن قتيبة وآخرون : معناه أصبتَ في بيان تفسيرها ، وصادفتَ حقيقة تأويلها ، واخطأتَ في مبادرتك بتفسيرها من غير أن آمرك به .
وقال آخرون : هذا الذي قاله ابن قتيبة وموافقوه فاسد ، لأنه صلى الله عليه وسلم قد أذِنَ له في ذلك ، وقال : اعْبُرها ، وإنما أخطأ في تركه تفسير بعضها فإن الرائي قال : رأيتُ ظلة تنطف السمن والعسل ، ففسره الصديق رضي الله عنه بالقرآن حلاوته ولينه. وهذا إنما هو تفسيرُ العسل ، وتَرَك تفسير السمن وتفسيرُهُ السُّنّة ، فكان حقه أن يقول : القرىن والسنة . وإلى هذا أشار الطحاوي .
وقال آخرون : الخطأ وقع في ـ إغفال ـ خَلْع عثمان ، لأنه ذُكِرَ في المنام أنه أَخَذ بالسبب فانقطع به ، وذلك يدل على انخلاعه بنفسه ، وفسَّره الصديق بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به ، وعثمان قد خُلع قهراً وقُتِل ، ووُلّي غيره ، فالصواب في تفسيره أن يحمل أنَّ وصْلَه على ولاية غيره من قومه .
وقال آخرون : ((الخطأ في سؤاله ليعبرها)) . وانظر ((فتح الباري)) 12 :381 ـ 383 للازدياد والتمحيص إذا شئت .
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) أيضاً 12 :384 وهو يذكر ما في الحديث من أمور التعليم : ((وفيه جواز إظهار العالم ما يُحسِنُ من العلم إذا خَلَصَتْ نيتُه وأمِنَ العُجب ـ وبهذا المعنى تَرجَم ابن حِبّان لهذا الحديث في ((صحيحه)) 1 :272 ـ ، وفيه كلامُ العالم بالعلم بحضرة من هو أعلمُ منه إذا أذِن له في ذلك صريحاً أو ما قام مَقامه ، ويؤخذ منه جوازُ مثله في الإفتاء والحكم ، وأن للتلميذ أن يُقسِمَ على معلمه أن يفيده الحكم .