.
وكان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم يوردون عليه ما يُشكِلُ عليهم من الأسئلة والشُّبهات للفهم والبيان وزيادة الإيمان ، فكان يُجيبُ كُلاًّ عن سؤالِهِ بما يُثْلِجُ صُدورَهم .
وكُتُبُ الحديث مَشْحونةٌ بأجوبة النبي صلى الله عليه وسلم على أسئلة أصحابه في أمور الدين ، وتَجِدُ طائفةً منها في هذا الكتاب من مواضع مُتفرِّقةً ، وإليك أحاديث أخر في هذا الباب :
80 ـ روى مسلم(1) عن النَّوّاس بن سِمْعان الكِلابي رضي الله عنه قال : ((أقمتُ مع رسول الله صلى الله عليه بالمدينة سنةً ، ما يَمنَعُني من الهجرةِ إلاّ المسألةُ ، كان أحدُنا إذا هاجَر لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء(2)
(1) ـ 16 :111 في كتاب البر والصلة (باب تفسير البر والإثم) .
(2) ـ معناه ـ كما قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 165 :11 ـ : ((أنه أقامَ بالمدينةِ كالزائر من غير نُقْلةٍ إليها من وطنِه ، لاستيطانها ، وما منعه من الهجرة ـ وهي الانتقال من الوطن واستيطانِ المدينة ـ إلاّ الرغبةُ في سؤالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور الدين ، فإنه كان سُمِحَ بذلك للطّارئين دون المهاجرين ، وكان المهاجرون يَفرحون بسؤال الغُرَباء الطارئين من الأعراب وغيرِهم ، لأنهم يُحتَملون في السؤال ويُعذَرون ، ويَستفيدُ المهاجرون الجوابَ ، كما قال أنس في الحديث الذي رواه مسلم أيضاً ـ وسَبَق ذكرُه تعليقاً في ص 30 ـ : ((وكان يُعجِبُنا أن يجيء الرجلُ العاقِلُ من أهل الباديةِ فيَسألُه)) . انتهى .
والمُهاجرون لم يُمنَعوا من السؤال عما يُحتاج إليه من أمور الدين ، وإنما كانوا يَهابون ان يَسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ إذا اشتدَّت الحاجةُ ، وفي حديث جبريل من طريق أبي هريرة رضي الله عنه : ((قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : سلوني ، فهابوه أن يسألوه ، فجاء رجلٌ فجلس عند رُكبتيه فقال : يا رسول الله ، ما الإسلام ...)) الحديث ، رواه مسلم في ((صحيحه)) 1 :165 .
وفي كُتُب الحديث من أسئلة المُهاجرين والأنصار المُستَوطنين بالمدينة ، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عنها : نظائرُ كثيرةٌ ، وقد سَبَق بعضُها .
وسيأتي في الأسلوب 24 في ص 168 تعليقاً حديث ابن أبي مُلَيْكَةَ أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت لا تسمع شيئاً لا تَعرِفُه إلاّ راجَعَت فيه حتى تعرِفَه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من حوسِبَ عُذِّب)) ، قالت عائشة فقلتُ : أوَليس يقولُ الله تعالى : (فسوف يُحاسَبُ حساباً يسيراً) ، قالت : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما ذلكِ العَرْضُ ، ولكن مَنْ نوقِشَ الحسابَ يَهْلِكْ)) .
وقال الحافظُ ابنُ حجر في ((فتح الباري)) 1 :197 في شرح هذا الحديث : ((في هذا الحديث بيانُ أن السُّؤالَ عن مثل هذا لم يَدخُل فيما نُهي الصحابةُ عنه ، في قوله تعالى : (لا تَسألوا عن أشياء) ، وفي حديث أنس : ((كنا نُهينا أن نَسألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن شيء)) . وقد وقع نحوُ ذلك لغير عائشة ، ففي حديث حفصة أنها لما سَمِعَتْ : ((لا يَدخُل النارَ أحدٌ ممن شَهِدَ بدراً والحُديبية)) قالتْ : أليس الله يقول : (وإن منكم إلاّ وارِدُها) فأُجيبت بقوله (ثم نُنجّي الذين اتقوا) الآية .
وسأَل الصحابة لما نَزَلَتْ (الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلمٍ) : أيُّنا لم يَظلِمْ نفسه؟ فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشِّركُ ...
فيُحمَلُ ما وَرَدَ من ذمِّ من سأل عن المُشكلات على من سأل تعنُّتاً ، كما قال تعالى (فأما الذين في قُلوبِهم زَيغٌ فيتَّبعون ما تَشابَهَ منه ابتغاءَ الفِتنةِ) ، وفي حديث عائشة : ((فإذا رأيتم الذين يَسألون عن ذلك فهم الذين سَمّى الله فاحذروهم)) ، ومِن ثَمَّ أنكَرَ عمر رضي الله تعالى عنه على صَبيغٍ بن عِسْل التميمي لمّا رآه أكثَرَ من السؤال عن مثل ذلك ، وعاقَبَه)) . انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى .