تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

:

79 ـ عن جابرٍ رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ))(1)

(1) ـ العِيِّ بكسر العين ، وهو هنا : الجَهلُ . يعني لا شفاءَ لداء الجَهْلِ إلاّ السؤالُ والتعلُّم ، قال تعالى : (فاسألوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتم لا تعلمون) . وأما ما ورد في الكتاب والسنة من ذمِّ السؤال فإنما هو محمول على السؤالِ عما لا حاجة إليه ، وعلى السؤالِ عن أمورٍ =

= مُغيَّبةٍ ورَدَ الشرعُ بالإيمانِ بها مع تركِ كيفيتِها ، وعلى الإكثار من الأسئلة غيرِ المُهمّةِ مع الإعراض عن تعلُّم ما يُحتاج إليه من الشرائع والعمل بمقتضاه ، وعلى السؤال للمراءِ والجدالِ والعِناد دون التعلُّم والتفقُّه ، وقد بيَّنتُ هذه المسألة بإسهاب في رسالتي ((منهَجُ السلف في السؤال عن العلم وفي تعلُّم ما يَقَع وما لم يَقَع)) ، وفي الوقوف عليها فوائدُ ومُتعةٌ ، وهي مطبوعة ببيروت عام 1412 .

هذا ، وقد استحسنتُ هنا أن أوردَ كلامَ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في ذكرِ أنواعِ السؤالِ وأحكامِه ، فإنه قد أجاد البحثَ فيه كعادته .

قال رحمه الله تعالى في ((كتاب المُوافَقات)) 4 :311 ـ 313 ما نصُّه : إن السؤالَ إما أن يَقَع من عالمٍ أو غير عالم . وأعني بالعالم المجتهدَ ، وغير العالم المقلِّد ، وعلى كلا التقديرين إما أن يكون المَسؤول عالماً أو غير عالمٍ ، فهذه أربعةُ أقسام :

الأول : سؤالُ العالمِ ، وذلك في المشروع ، يَقَع على وجوه ـ سنة ـ ؛ كتحقيقِ ما حَصَل ، أو رفع إشكال عَنَّ له ، وتذكُّرِ ما خشِي عليه النسيانَ ، أو تنبيهِ المسؤولِ على خطأ يورِدُه مورد الاستفادة ، أو نيابةً منه عن الحاضرين من المُتعلّمين ، أو تحصيل ما عسى أن يكون فاته من العلم .

الثاني : سؤالُ المتعلِّم لمثلِه ، وذلك أيضاً يكون على وجوه ـ أربعة ـ ؛ كَمُذاكَرَتِهِ له بما سَمِع ، أو طلبِهِ منه ما لم يَسمع مما سَمِعه المسؤولُ ، أو تمرُّنِهِ معه في المسائل قبلَ لقاءِ العالم ، أو التهدّي بعقلِه إلى فهم ما ألقاه العالمُ .

الثالث : سؤالُ العالِم للمتعلِّم ، وهو على وجوه ـ أربعة ـ كذلك ، كتنبيهِهِ على موضِعِ إشكالٍ يُطلَبُ رفعُه ، أو اختبارِ عقلِه أين بلغ؟ والاستعانةِ بفهمه إن كان لفهمه فضلٌ ، أو تنبيهِهِ على ما عَلِم ليستدل به على ما لم يعلم .

ـ وهذه الكلمةُ القصيرةُ ـ وهي قوله : أو تنبيهه ... ـ تَضَمَّنَت أهمَّ أركانِ فنِّ التربية العملية المسمى بالبيداجوجيا . وهو بناءُ المعلم تعليمَ تلميذِهِ شيئاً جديداً على ما تعلَّمه قبلُ ، فقد كان نتيجةً لمقدِّمات ، ثم يصير بعدَ علمِهِ به مقدمةً لمسألةٍ جديدة ، وهكذا ـ .

الرابع : وهو الأصلُ الأولُ ، سؤالُ المتعلِّم للعالم . وهو يَرجِعُ إلى طلب علمِ ما لم يعلم .

فأما الأول والثاني والثالث فالجوابُ عنه مُستَحَقُّ إن عَلِم ، ما لم يَمْنَعْ من ذلك عارضٌ مُعتَبَرٌ شرعاً ، وإلاّ فالاعترافُ بالعجز .

وأما الرابعُ فليس الجوابُ بمُسْتَحَقٍّ بإطلاقٍ ، بل فيه تفضيل ، فيلزم الجوابُ إذا كان عالماً بما سُئِل عنه مُتعيِّناً عليه في نازلةٍ واقعةٍ ، أو في أمرٍ فيه نصٌّ شرعي بالنسبةِ إلى المتعلِّم ، لا مطلقاً ، ويكون السائلُ ممن يَحتمِلُ عَقلُه الجوابَ ، ولا يؤدي السؤالُ إلى تعمُّق ولا تكلُّفٍ ، وهو مما يُبنى عليه عملٌ شرعي ، وأشباهُ ذلك .

وقد لا يلزم الجوابُ في مواضع ، كما إذا لم يَتَعيَّن عليه .

وقد لا يجوز ، كما إذا لم يَحتَمِلْ عقلُه الجوابَ ، أو كان فيه تَعمُّقٌ ، أو أكثَرَ من السؤالاتِ التي هي من جنس الأغاليط ...)) انتهى كلامُ الشاطبي رحمه الله تعالى بزيادة ما بين العارضتين .

الرسول المعلم · الصفحة ١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرسول المعلمص ١٠٦