ثم روى مسلم عن عُبَيد الله بن عُتبة قال : ((قالت أم عبد الله بن حُذافة لعبد الله بن حذافة : ما سمعتُ بابنٍ قَطُّ أعَقَّ منك! أأمِنتَ أن تكون أُمُّك قد قارفَتْ بعضَ ما تُقارفُ نساءُ أهل الجاهلية؟! فتفضَحَها على أعينِ الناس؟ قال عبد الله بن حذافة : واللهِ لو ألحقني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعبدٍ أسْوَدَ للحقتُه(1).
فلما أكثر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من ان يقول : سلوني ، بَرَك عمر بن الخطاب على ركبتيه ، قال : يا رسول الله رَضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً .
قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، لقد عُرِضَ عليَّ الجنةُ والنارُ آنفاً(2) في عُرْض هذا الحائط ، فلم أر كاليوم في الخير والشر)) .
14 ـ إجابتُه صلى الله عليه وسلم السائلَ عما سأل عنه
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب السائلَ عن سؤالِهِ ، وقد علَّم كثيراً من الشرائع والأحكام ومَعالِمِ الدين بالإجابة على أسئلة أصحابه ، وقد حَضَّ أصحابَه على السؤال عما يَهمُّهم من الحوادثِ والنوائب أو مما يحتاجون إلى معرفته من الفرائض والشرائع ، فقد روى أبو داود(3)
(1) ـ أي لانتسبتُ إليه بالبنوّة . وفهمتُ من قوله : (لو ألحقني بعبدٍ أسوَدَ للحِقتُه) أنه كان أبيض اللون ، لأن الذي يقابل الأسودَ : الأبيضُ ،والمرادُ من كلمته هذه أنه لو نسبني إلى نقيض ما أنا عليه وما لا أُنسَبُ إليه لانتسبتُ . فالكلمة على طريق المجاز والمبالغة في التزام قوله صلى الله عليه وسلم وشديدِ صحته عنده .
(2) ـ معنى (آنفاً) الآن .
(3) ـ 1 :142 في كتاب الطهارة (باب في المجروح يَتيمَّم) ، ولهذا الحديث شاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود أيضاً 1 :142 ، وابن ماجه 1 :189 في كتاب الطهارة (باب في المجروح تصيبُه الجنابة ...) .
والحديثُ قد صحَّحَه ابنُ السَّكَن كما في ((التلخيص الحبير)) 1 :147 ، وسَكَتَ عنه أبو داود ثم المنذري في ((مختصر السنن)) 1 :208 .