.
77 ـ وقال ابن حبان في ((صحيحه)) بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي(1) : ((ذكرُ الخبر الدال على إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل التي يريد أن يعلمهم إياها ابتداءً ، وحَثُّه إياهم على مثلها .
عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمسُ ، فصلى لهم صلاة الظهر ، فلما سلَّم قام على المنبر ، فذكَرَ الساعة ، وذكر أنَّ قبلها أموراً عِظاماً ، ثم قال :
من أحبَّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه ، فواللهِ لا تسألوني عن شيء إلاّ حدثتكم به ما دُمتُ في مقامي .
قال أنس بن مالك : فأكثَرَ الناسُ البكاءَ حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكثَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : سَلوني سَلوني .
فقام عبد الله بن حُذافة ، فقال : من أبي يا رسول الله؟ قال : أبوك حُذافة))(2)
(1) ـ 1 :286 ، وفي طبعة ثانية 1 :306 .
(2) ـ سيأتي تعليقاً في الرواية الثانية لهذا الحديث هنا بيانُ سببِ سؤالِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم : (من أبوه؟) .
وكان عبدُ الله بن حُذافة رضي الله عنه أحَدَ العقلاء النبلاء والمجاهدين الصناديد الشجعان من الصحابة الكرام ، وهو أبو حُذافة أو أبو حُذَيفة عبدُ الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السَّهْمي . وأمُّهُ بنت حَرثان من بني الحارث بن عبد مَناة من السابقين الأولين .
أسلم عبد الله قديماً ، وكان من المهاجرين الأولين ، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة ، ويقال : إنه شَهِدَ بدراً ، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على بعض البعوث ، وكان فيه فطانة وحَصافة ودُعابة ، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه رسولاً وسفيراً إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ، فمزَّق كسرى الكتابَ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم مزِّق مُلكه ، وقال : إذا مات كسرى فلا كسرى بعده ، فسلَّط الله على كسرى ابنه شِيْرَوَيْهِ ، فقتله ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى سنة سبع .
ووجَّهَ عمر جيشاً إلى الروم سنة 19 ، وفيهم عبد الله بن حذافة ، فأسرَتْهُ الروم في بعض المعارك ، فأرادوه على الكفر فأبي ، فقال له مَلِكُ الروم : تنصَّر أُشرِكْك في مُلكي ، فأبى ، فأمَرَ به فصُلِبَ وأَمر بِرَمْيِهِ بالسِّهام فلم يجزَعْ ، فأُنزِل وأَمر بِقِدْر فصُبَّ فيها الماء وأُغليَ عليه ، وأَمر بإلقاء أسيرٍ فيها ، فإذا عِظامُه تلوحُ ، فأمَرَ بإلقائه إن لم يتنصَّر ، فلما ذهبوا به بكى .
قال الملك : رُدّوه ، فقال : لِمَ بكيتَ؟ قال : تمنَّيتُ أن لي مِئةَ نفسٍ تُلقى هكذا في الله ، فعَجِبَ فقال : قبِّلْ رأسي وأُطلِقُك ، قال : لا، قال : قبِّل رأسي وأُطلِقُك ومَنْ معك من المسلمين ، فقبَّلَ رأسَه ، ففَعَل وأطلَق معه ثمانين أسيراً ، فقَدِمَ بهم على عمر ، فقال عمر : حَقّ على كل مسلم أن يُقبِّل رأسَ عبدِ الله ، وانا أبدأ ففعلوا . وشهد عبد الله بن حذافة فتحَ مصر ، ودفن في مقبرتها في خلافة عثمان رضي الله عنهما .
ومن دُعابته ما حكاه عبدُ الله بنُ وهب ، عن الليث بن سعد ، قال : بلغني أن عبد الله بن حذافة حَلَّ حِزامَ راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع ، قال ابنُ وهب فقلتُ للَّيثِ : ليُضحكَهُ؟ قال :نعم ، كانت فيه دُعابة.