75 ـ روى البخاري ومسلم(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يأتي الشيطانُ أحدَكم ، فيقول : من خلَقَ كذا وكذا؟ حتى يقول له : من خَلَق ربّك. فإذا بَلَغ ذلك ، فليستَعِذْ بالله ولْيَنْتَهِ))(2)
(1) ـ البخاري 6 :240 في كتاب بدء الخلق (باب صفة إبليس وجنوده) ، و13 :230 في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (باب ما يكره من كثرة السؤال ...) ، مسلم 2 :154 في كتاب الإيمان (باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها) .
(2) ـ أي وليقطع ذِهْنَهُ عن الاسترسال معه في ذلك ، بل يلجأ إلى الله تعالى في دفعه ، ويعلَمُ أن الشيطان يريد إفسادَ دينه وعقله بهذه الوسوسة ، فينبغي أن يجتهد في دفعها وقطعها بالاشتغال بغيرها .
قال الخطابي : وجهُ هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك ، فاستعاذ الشخصُ بالله منه ، وكفَّ عن مطاولته في ذلك اندفع . والشيطان ليس لوسوسته انتهاء ، كلما أُلزِمَ حُجّةً زاغ إلى غيرها ، إلى أن يُفضِيَ بالمرء إلى الحَيْرة نعوذ بالله من ذلك .
على أن قولَه : (مَنْ خَلَق ربَّك) كلامٌ مُتَهافِت ، يَنقُضُ آخِرُه أوَّلَه ، لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقاً ، ثم لو كان السؤالُ متَّجِهاً لاستلزَم التسلسل ، وهو مُحال . وقد أثبَتَ العقلُ أن المُحدَثات مفتقِرة إلى مُحْدِث ، فلو كان هو مفتقِراً إلى مُحدِث ، لكان من المُحدَثات .
قال ابن بطّال : فإن قال المُوَسْوِسُ : فما المانعُ أن يَخلق الخالقُ نفْسَه؟ قيل له : هذا يَنْقُضُ بعضُه بعضاً ، لأنك أثبتَّ خالِقاً ، وأوجبتَ وجودَه ، ثم قلتَ : يَخلُقُ نفسَه ، فأوجبتَ عدمَه ، والجمعُ بين كونه موجوداً معدوماً فاسدٌ لتناقضه ، لأن الفاعل يتقدم وجودُهُ على وجودِ فِعلِه ، فيَستَحيل كونُ نفسِهِ فِعلاً له . انتهى .
قال ابن الّين : لو جاز لمُختَرِع الشيء أن يكون له مُختَرِع لَتَسَلْسَلَ ، فلا بد من الانتهاء إلى موجِد قديم ، والقديم من لا يَتَقدَّمه شيء ، ولا يصح عدمه ، وهو فاعل لا مفعول ، وهو الله تبارك وتعالى . انتهى من ((فتح الباري)) 13 :273 ـ 274 .
قال الشيخ محمد عبده في كتابه ((رسالة التوحيد)) ص 58 و59 و60 و61 ، مبيناً عجزَ العقل البشري عن إداك كُنهِ الحقائق الكونية ، فضلاً عن إدراكِ كُنْهِ ذاتِ الله تعالى : ((إذا قَدَرْنا عَقْلَ البشَرَ قَدْرَه ، وجدنا غايةَ ما ينتهي إلى كماله ، إنما هو الوصولُ إلى معرفة عَوارِض بعض الكائنات ، التي تقع تحت الإدراك الإنساني ، حِسّاً كان أو وِجْداناً أو تعقُّلاً ، ثم التوصُّلُ بذلك إلى معرفةِ مَناشِئها ، وتحصيل كُليّاتٍ لأنواعها ، والإحاطة ببعض القواعد لِعُروض ما يَعرِضُ لها .
وأما الوصولُ إلى كُنْهِ حقيةٍ مّا ، فمما لا تَبلُغُه قُوّةُ العقل ، لأن اكتناه المركَّبات إنما هو باكتناه ما تركَّبَتْ منه ، وذلك ينتهي إلى البسيط الصِّرْف ، وهو لا سبيل إلى اكتناهه بالضرورة ، وغايةُ مل يُمكنُ عِرفانُه منه : عَوارضُهُ وآثارُه .
هذا أظهرُ الأشياء واجلاها (الضَّوْءُ) ، قرَّر الناظرون فيه : له أحكاماً كثيرة ، فصَّلوها في عِلمٍ خاصّ به ، ولكن لم يستطع ناظرٌ أن يَفهم ما هو؟ ولا أن يَكتَنِهَ معنى (الإضاءة) نفسِه ، وإنما ما يَعرفه كلُّ بصير له عينان ، وعلى هذا القياس ـ غيرُ (الضَّوْء) من الكائنات ـ .
ثم إنَّ الله تعالى لم يجعل للإنسان حاجةً يدعو إلى اكتناه شيء من الكائنات ، وإنما حاجتُه إلى معرفة العَوارض والخَواصّ .
ولَذّةُ عقْلِه إن كان سليماً ، إنما هي تحقيقُ نسبةِ تلك الخواص إلى ما اختَصَّتْ به ، وإدراكُ القواعد التي قامَتْ عليها تلك النِّسَبُ ، فالاشتغالُ بالاكتناهِ إضاعةٌ للوقت ، وصَرْفٌ للقوة إلى غير ما سيقت له .
وأما الفكر في ذات الخالق سبحانه ، فهو طلَبٌ للاكتناه من جهة ، وهو ممتنع على العقل البشري ، لما علمتَ من انقطاع النسبة بين الوجودَيْن ، ولاستحالة التركُّب في ذاته . و : تطاولٌ إلى ما لا تَبْلغُهُ القوة البشرية من جهةٍ اخرى ، فهو عَبَثٌ ومَهْلَكة ، عَبَثٌ لأنه سَعْيٌ إلى ما لا يُدْرَك ، ومَهْلَكة لأنه يؤدّي إلى الخَبْط في الاعتقاد ، لأنه تحديدٌ لما لا يجوز تحديدُه ، وحَصْرٌ لما لا يصحُّ حصْرُه ...)) انتهى . وقد قال تعالى : (ليس كمِثْلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصير) .
وإذا كان العقل البشري عاجزاً عن إدراك كُنْهِ المخلوق ، فهو من بابِ أولى : يكون عاجزاً عن إدراك كُنْهِ الخالق سبحانه وتعالى . =
= قال العلاّمة عبد الله النبراوي في شرحه على ((الأربعين النووية)) ص 136 ، عند شرح الحديث الثلاثين الذي رواه الدارقطني وغيره بإسناد حسن عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها ، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غيرَ نسيان فلا تبحثوا عنها)) .
قال رحمه الله تعالى : ((ومن البَحْث عما لا يَعني : البحثُ عن أمور الغيب التي أُمِرنا بالإيمان بها ، ولم تُبيَّن كيفيتها ، لأنه قد يوجب البحثُ عنها الحَيْرة والشك ، ويرتقي الأمر إلى التكذيب والإنكار ، ومن ثم قال ابن إسحاق : لا يجوز التفكُّرُ في الخالق ولا في المخلوق بما لم يُسمَع فيه من الشرع ، كأن يقال في قوله تعالى : (وإنْ من شيء إلاّ يُسبِّحُ بحمده) : كيف يسبح الجماد؟ لأنه سبحانه وتعالى أخبَرَ به ، فيجعله كيف شاء كما شاء . اه .
وفي ((الصحيحين)) ما يؤيد حرمة التفكر في الخالق ، كخبر البخاري : ((يأتي الشيطان أحدَكم فيقول : من خَلَق كذا؟ من خلَقَ كذا؟ ، حتى يقول : من خلق ربَّك؟ فإذا بلغَه فليستعذ بالله ولينته)) . وأخرج مسلم : ((لا يزال الناس يسألون حتى يقال : هذا اللهُ خَلَق الخلق ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل : آمنتُ بالله)) .
وقد أطلتُ هذه التعليقةَ ، لأنها تَتَعلَّق بموضوعٍ خطيرٍ ، يَعرِض لكثيرٍ من الشباب في المدارس اليوم ، فمعذرةً .