وبذكر نص تبويب البخاريِّ كاملا , يتبين لك تلبيس هذا الاباضي , حين عمد إلى بتر غالب التبويب , ليتوصل إلى مراده .
وما استدلَّ به البخاريُّ رحمة الله , على إثبات خبر الواحد أدلةٌ عامة , للأصول والفروع , بل فيها أدلةٌ كثيرة تخصُّ الأصول أكثر من الفروع كإرسال النبي صلى الله عليه وسلم رسلهُ آحاداً , ولهذا بوّب عليه البخاري في صحيحه باباً فقال في (( كتاب الآحاد )) :
( باب ما كان يبعثُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد . وقال ابن عباس : بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي بكتابه إلى عظيم بًُصرى , أن يدفعه إلى قيصر ) أ.هـ .
الثاني : أنّ سكوت الحافظ عن كلام الكرماني , لا يشترط أن يكون اقراراً له , بل الحافظ يخالفُ الكرماني , كما في شرحه لكتاب أخبار الآحاد فلعله اكتفى بذلك في شرحه , عن تعقب الكرماني .
قال الحافظ في (( الفتح )) (13/ 291 )) :
( ... واحتج من منع و بأن ذلك لا يفيد إلا الظن , وأُجيب بأن مجموعهما يفيد القطع , كالتواتر المعنوي , وقد شاع فاشياُ عملُ الصحابة والتابعين , بخبر الواحد من غير نكير , فاقتضى الاتفاق منهم على القبول , ولا يقال : لعلهم عملوا بغيرها , أو عملوا بها ولكنّها أخبارٌ مخصوصةٌ بشيء مخصوص , لأنا نقول :
العلمُ حاصلٌ من سياقها , بأنّهم إنما عملوا بها , لظهورها لا لخصوصها ) أ.هـ
وقال الحافظ في (( الفتح )) أيضا (13/ 292 ) :
( واحتَّج بعض الأئمة بقوله تعالى : ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ مع أنّه كان رسولاً إلى الناس كافة , ويجبُ عليه تبليغُهم فلو كان خبر الواحد غير مقبول , لتعذر إبلاغُ الشريعة إلى الكلّ ضرورة , لتعذر خطاب جميع الناس شفاهاً , وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم , وهو مسلكٌ جيد ينضمُّ إلى ما احتجّ به الشافعي ثم البخاري .