والفرق بين التشريع والتبليغ وبين الحكم والقضاء هو: أن ما قاله أو فعله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التبليغ والتشريع فهو حكم عام، يلزم جميع الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورًا أقدم عليه كل أحد بنفسه، وإن كان منهيًّا اجتنبه كل أحد بنفسه.
وأما ما تصرَّف فيه -عليه الصلاة والسلام- بوصف القضاء فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم، وذلك كالفصل في دعاوى الأموال، أو أحكام الأبدان بالبينات، أو الأيمان والنكولات، ونحوها (1).
وأما الفرق بين الفتوى والحكم فذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن الفتوى والحكم يتفقان في أن كلا منهما إخبار عن الحكم، وأنهما يفترقان في ناحيتين:
الأولى: أن المفتي لا يُلْزِم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه، وأما القاضي فإنه يلزِم بقوله.
الثانية: أن فتوى المفتي شريعة عامة، تتناول المستفتي وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص، لا يتعدى إلى غير المحكوم له وعليه.
وخلاصة ذلك: أن قضاء القاضي خاص ملزم، وفتوى المفتي عامة غير ملزمة (2).
وتكلم في هذا الموضوع القرافي، وبيَّن مراده صاحب كتاب تهذيب الفروق، - مطبوع بالهامش - فقال: الفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم، ثم ذكر أنهما يتفقان في أمور ثلاثة، هي:
1 - أن كلا منهما خبر عن الله.
2 - أن كلا منهما يجب على السامع اعتقاده.
3 - أن كلا منهما يلزَم المكلَّف من حيث الجملة.
ثم ذكر أن بينهما فرقًا من جهتين:
(1) - انظر الفروق للقرافي جـ 1 ص 205، 206، 207.
(2) - انظر إعلام الموقعين جـ 1 ص 36، 38.