وأن يشاور من يثق بعلمه ودينه، ويستعين على فتاويه بأهل العلم، ولا يستقل بالجواب اعتمادًا على نفسه وارتفاعًا بها، فإن هذا من الجهل، ولقد أمر الله نبيه بالمشاورة -وإن لم يكن في حاجة إليها-؛ تعليمًا للأمة، فقال -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (1).
وكان عمر بن الخطاب إذا نزلت به المسألة جمع لها مَن حضر من الصحابة وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس مع حداثة سِنِّه في ذلك الوقت، وخصوصًا إذا كان في المشاورة مصلحة ظاهرة: من تمرين أصحابه، وتعليمهم، وشحذ أذهانهم، وقد ترجم البخاري في صحيحه، فقال: " باب إلقاء العالم المسألة على أصحابه " (2).
لكن ذلك مشروط بأن لا يعارض ذلك مفسدة كإفشاء سر السائل، أو تعريضه للأذى، أو حصول مفسدة لبعض الحاضرين (3).
المبحث الثالث
أمثلة من فتاوى إمام المفتين رسول رب العالمين
تقدم بين يدي هذا المبحث كلمة عن المقصود بفتوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - والفرق بينها وبين التشريع، وبينها وبين الحكم في القضية، فنقول:
المقصود بفتوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أجاب به سؤال سائل عن أمر دينيّ، وأما التشريع والتبليغ فهو أوسع دائرة من الفتوى، وأعمُّ منها؛ إذ أنه يشمل كل ما تصرف فيه - صلى الله عليه وسلم - في العبادات بقوله أو فعله، أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني (4).
(1) - سورة آل عمران آية: 159.
(2) - لفظ الترجمة: " باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم ". انظر جـ 1 ص 147 من صحيح البخاري مع فتح الباري.
(3) - انظر إعلام الموقعين جـ 4 ص 256 - 257.
(4) - انظر الفروق للقرافي، الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرفه -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة جـ 1 ص 207.