من غزارة علم المفتي وفقهه أن يذكر للسائل دليل الحكم ومأخذه، ولا يلقي الفتوى إلى المستفتي ساذجة مجردة عن الدليل، فإن جمال الفتوى وروحها هو الدليل، وهو طراز الفتوى، ولا يجب قبول قول المفتي إلا إذا ذكر الدليل للمستفتي، ويبرأ حينئذ من عهدة الفتوى بلا علم، ويحرم على المستفتي حينئذ مخالفته، ومن تأمل أحكام القرآن وجد أن الله -سبحانه- يرشد فيها إلى مداركها وعللها، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
1 - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (1). فأمر الله -سبحانه- نبيه الكريم أن يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم.
2 - قوله -تعالى-: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (2). فذكر -سبحانه- علة الحكم بعد الحكم في قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (3).
3 - قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (4) ثم ذكر علة الحكم، فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (5).
4 - قوله -تعالى- في جزاء الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (6) ثم ذكر علة الحكم، فقال: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (7).
(1) - سورة البقرة آية: 222.
(2) - سورة الحشر آية: 7.
(3) - سورة الحشر آية: 7.
(4) - سورة المائدة آية: 38.
(5) - سورة المائدة آية: 38.
(6) - سورة المائدة آية: 95.
(7) - سورة المائدة آية: 95.