من كمال نصح المفتي وعلمه وإرشاده أنه يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه، ولا يعتبر ذلك عيبًا في الجواب ولا المفتي؛ ومن عاب ذلك فلقلة علمه، وضيق عطنه، وقلَّة نصحه.
كيف وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه، فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه"؟ كيف وقد وردت السنة بذلك في مواضع، منها:
1 - حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: “ سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المُحْرِم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخِفَاف، إلا أن يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين “ (1).
فسُئل -عليه الصلاة والسلام- عما يلبس المُحْرِم، فأجاب عما لا يلبس، وتضمن ذلك الجواب عما يلبس؛ لأن ما لا يلبسه المُحْرِم محصور، وما يلبسه غير محصور، فذكر للسائل النوعين.
2 - “ سُئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: إنا نركب البحر على أرماث لنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فأجاب - صلى الله عليه وسلم - بقوله: هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته “ (2).
فقد كان السؤل عن الوضوء بماء البحر، فأجابهم عنه وزادهم عليه باخبارهم بحلِّ (3) ميتته.
الفائدة الربعة
في أن المفتي ينبغي له إذا مَنَعَ من محظور أن يَدُلَّ على مباح
من علامة فقه المفتي ونصحه أنه إذا مَنَعَ مَن استفتاه عن محظور أن يدله على ما هو عِوَض عنه من المباح، فيسد عليه الطريق المحظور، ويفتح له الطريق المباح.
(1) - رواه الجماعة: البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه انظر المنتقى جـ 2 ص 240.
(2) - رواه أحمد ورجاله ثقات، انظر مجمع الزوائد، باب في ماء البحر جـ 1 ص 215.
(3) - انظر إعلام الموقعين جـ 4 ص 158 - 159.