أما العارف: فلأنه لو وجب عليه النظر لكان تحصيل حاصل، وهو عبث محال، وأمَّا غير العارف: فلأنه لو وجب عليه النظر للزم منه أن يكون الجهل بالله -تعالى- واجبًا ضرورة، توقف النظر الواجب عليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأجيب عن هذا الدليل: بأن العارف قد سبق معرفته النظر والاستدلال، وأما غير العارف فلا يلزم منه وجوب الجهل بالله -تعالى-؛ لأن الجهل ليس مقدورًا للعبد؛ إذ العلم ينال ويدرك بأدنى التفاتٍ ونظرٍ إلى الحوادث، وأدلة المعرفة بالله ظاهرة في نفس كل عاقل، وإن منع العامي عيّه من التعبير عنها.
الدليل السادس: لو كان النظر واجبًا للزم منه الدور والتسلسل، وبيانه أن وجوب النظر متوقف على معرفة الله، ومعرفة الله متوقفة على النظر.
وأجيب عن هذا الدليل: بالمنع من الدور، فإن الواجب الشرعي في معرفة الله غير متوقف على النظر؛ إذ النظر متوقف على معرفة الله بوجه ما، وهي المعرفة الإجمالية كوجود الله -تعالى-، ومعرفة الله متوقفة على النظر بوجه أتم، أي بما يجب له وما يمتنع عليه، فالمعرفة التي يتوقف عليها وجوب النظر، وهي الإجمالية، غير المعرفة التي تنتج النظر، وهي التفصيلية.
الترجيح: بعد ذكر مذاهب العلماء وأدلتهم يتبيَّن لي أن الراجح من هذه المذاهب هو مذهب الجمهور، القائلين بتحريم التقليد ووجوب النظر، والمراد بوجوب النظر -كما سبق- ما يحصل بأدنى التفات إلى الحوادث، وهي ظاهرة في نفس كل أحد، لا تحرير القضايا على قواعد المنطق.
وجه ترجيحه ما يأتي:
1 - ما سبق من مناقشة أدلة القائلين بوجوب التقليد والقائلين بجوازه.
2 - أن العامة شاركوا العلماء في ذلك، وتساوى الناس في طريقها.