قال ابن قتيبة: ومعناه عندنا من تقرب بالطاعة, وأتاني بها أتيته بالثواب أسرع من إتيانه, فكنى عن ذلك بالمشي والهرولة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ (1) والسعي الإسراع في المشي, وليس يريد أنهم مشوا، وإنما أسرع بنياتهم وأعمالهم.
ــــــــــــ
نعم. وهذه الشبهة العاشرة على هذا الحديث؛ حديث: " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا, ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا, ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " هذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو حديث صحيح.
وليس معناه كما قال ابن قتيبة فإنه فيه تأويل؛ أوله قال: من تقرب إلي بالطاعة وأتاني بها؛ أتيته بالثواب. هذا تأويل. هذا من أثر الصفات.
النووي -رحمه الله- أيضا كذلك ممن أوله قال: معنى الحديث أن الله تعالى أسرع في الخير من العبد, وأن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل. هذا ليس معنى الحديث, وإنما هو أثر من له مثل: صفة الغضب. الغضب صفة لله, والانتقام أثر له؛ فالانتقام أثر, فمن فسر الغضب وقال: الغضب هو الانتقام؛ فإن هذا خطأ؛ الغضب صفة لله ومن آثارها الانتقام.
الرضا صفة لله من آثارها الثواب. إذا رضي الله أثاب, وإذا غضب انتقم, فمن فسر الرضا بالثواب نقول له: هذا غلط. فسرتها بأيش ؟ لِلَّهِ فسرتها بالأثر, ومن فسر الغضب بالانتقام نقول هذا: غلط.
.................................................................................. ـــــــــــــــ
كذلك من فسر التقرب من الله بالثواب؛ فقد فسر بالأثر, ولكن هذا تقربٌ حقيقي؛ من تقرب إلى الله تعالى, تقرب الله إليه؛ صفات حقيقية, وكذلك: " من أتاني يمشي أتيته هرولة " مثل النزول, ومثل العلو والاستواء كلها صفات تليق بجلاله. معناها معروف في اللغة؛ معنى المشي والهرولة معروف في اللغة, كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم؛ أما الكيفية -كيفية اتصاف الله تعالى بها- فلا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.
والقرب من صفات الله القرب, ومن صفاته المعية, والقرب إلى الله يأتي خاصا, وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة, وقرب من العابدين بالإثابة.
(1) - سورة سبأ آية : 38.