فِي السِّتْرِ مَفْسَدَةٌ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ السِّتْرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي النَّدْبِ إِلَى السِّتْرِ وَفِيهِ أَنَّ الْجَاسُوسَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ وَهَذَا الْجِنْسُ كَبِيرَةٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِيذَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ كبيرة بلا شك لقوله تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ الْآيَةَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْعَاصِي وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَفِيهِ إِشَارَةُ جُلَسَاءِ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ بِمَا يَرَوْنَهُ كَمَا أَشَارَ عُمَرُ بِضَرْبِ عُنُقِ حَاطِبٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّ الْجَاسُوسَ الْمُسْلِمَ يُعَزَّرُ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَبَعْضُهُمْ يُقْتَلُ وَإِنْ تَابَ) (1).
وفي قصة حاطب مشروعية عفو القائد عن بعض أفراد الجيش إذا أساء متعمداً ثم ندم على إساءته واعتذر ودلت القرائن على حسن نيته وكان ذا سابقة طيبة. هذا في الجاسوس المسلم.
والذي يظهر من قصة حاطب رضي الله عنه مشروعية قتل الجاسوس المسلم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على إرادة القتل وبين له أن المانع كونه شهد بدراً، وهو أخص من كون المانع هو الإسلام، ولو كان الإسلام هو المانع من قتله لبيّن - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولم يعلله بأخص منه، وهذا الأخص لا يظفر به أي مسلم كان، بل هو خاص بحاطب أو من هو مثله ممن شهد بدراً، قال الحافظ في الفتح:"واستُدِلَّ بِاستِئذانِ عُمَر عَلَى قَتل حاطِب لِمَشرُوعِيَّةِ قَتل الجاسُوس ولَو كانَ مُسلِمًا وهُو قَول مالِك ومَن وافَقَهُ، ووجه الدَّلالَة أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَقَرَّ عُمَرَ عَلَى إِرادَة القَتل لَولا المانِع، وبَيَّنَ المانِع هُو كَون حاطِب شَهِدَ بَدرًا، وهَذا مُنتَفٍ مِن غَير حاطِب، فَلَو كانَ الإِسلام مانِعًا مِن قَتله لَما عَلَّلَ بِأَخَصّ مِنهُ." (2).
ولو جعل الإسلام مانعاً من قتل الجاسوس لكان في ذلك فتح للباب لضعاف النفوس ومرضى القلوب لكشف عورات المسلمين لأعدائهم الذين لا يألون جهداً في محاولة
(1) - شرح النووي على مسلم (16/ 55)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 635)