لَهُمْ: وَمَنْ ذَا الَّذِي قَسَّمَ لَكُمْ ذَا الرَّأْيَ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا سَمْعًا لَهُ وَلَا طَاعَةً - وَمِثْلُ هَذِهِ التَّقَاسِيمِ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ. (1)
أدلة من رأى عدم قتلهم جميعا
استدل القائلون بعدم قتل الأصناف المذكورة ما لم يقاتلوا بأدلة:
الدليل الأول: الآية القرآنية السابقة الذكر ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:190]،قالوا: فكل من لم يقاتل ولم يبد منه ما يضر المسلمين من رأي يفيد الكفار أو تحريض أو مال ونحوه، فإنه لا يجوز قتله.
قلت: هذه من أول آيات الجهاد وقد جاء بعدها آيات تنسخها في سورة الأنفال والتوبة.
الدليل الثاني: ما ورد في بعض كتب السنة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن بعض الصحابة من النهي عن قتل بعض من ذكر. فعَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزَاةٍ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ وَالنَّاسُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ، أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلْ ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا». (2)
واستدل بالحديث من وجهين: الوجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما كانت هذه لتقاتل) فجعل - صلى الله عليه وسلم - العلة في النهي عن قتلها كونها لا تقاتل، وهذا يوضح معنى قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
الوجه الثاني: النص على العسيف، وهو الأجير، والغالب أنه لا يقاتل كالمرأة والصبي.
(1) - المحلى بالآثار (5/ 348)
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (11/ 112) (4791) صحيح
(انْظُرُ عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَجَاءَ):أَيِ الرَّجُلُ (فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ):أَيْ: مَقْتُولَةٍ، وَإِذَا ذُكِرَ الْمَوْصُوفُ يَسْتَوِي فِي الْفَعِيلِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. (فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ):أَيِ الْمَرْأَةُ (لِتُقَاتِلَ):اللَّامُ هِيَ الدَّاخِلَةُ فِي خَبَرِ كَانَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:179]. (وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ):بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ (خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ):أَيِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - (رَجُلًا):أَيْ إِلَى خَالِدٍ (فَقَالَ: قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلِ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا: أَيْ أَجِيرًا وَتَابِعًا لِلْخِدْمَةِ، وَلَعَلَّ عَلَامَتَهُ أَنْ يَكُونَ بِلَا سِلَاحٍ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2542)