والذي يظهر أن علياً رضي الله عنه لم يبلغه النهي عن الإحراق بالنار للعدو الكافر، فأحرق بعض الكفار في عهده، كما ثبت أيضاً في الصحيح عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (1).
(قَالَ: أُتِيَ) أَيْ جِيءَ (عَلِيٌّ) كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (بِزَنَادِقَةٍ) أَيْ بِقَوْمٍ مُرْتَدِّينَ أَوْ بِجَمْعٍ مُلْحِدِينَ فِي الْقَامُوسِ: الزِّنْدِيقُ بِالْكَسْرِ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ أَوِ الْقَائِلُ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَبِالرُّبُوبِيَّةِ أَوْ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ زِنْ دِينَ أَيْ دِينِ الْمَرْأَةِ اهـ. وَسُئِلَ عَنِ الزِّنْدِيقِ مَنْ هُوَ فَأَجَابَ: الزِّنْدِيقُ هُوَ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ الدَّهْرِ أَيْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَلَا بِالْخَالِقِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْحُرَمَ مُشْتَرَكَةٌ، وَقَالَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: هُوَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ إِلَهًا وَلَا حُرْمَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ رِوَايَتَانِ وَالَّذِي يُرَجَّحُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى لِقَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: زِنْدِيقٌ مَعْرُوفٌ وَزَنْدَقَتُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَوَحْدَانِيَّةِ الْخَالِقِ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ: لَيْسَ زِنْدِيقٌ وَلَا فَرَزِينُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا يَقُولُ الْعَامَّةَ مُلْحِدٌ دَهْرِيٌّ (فَأَحْرَقَهُمْ) أَيْ أَمَرَ عَلِيٌّ بِإِحْرَاقِهِمْ فَأَحْرَقُوهُمْ (فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا) أَنَا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَوْ كُنْتُ أَنَا بَدَلَهُ لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ») قَالَ الْقَاضِي: الزِّنْدِيقُ قَوْمٌ مِنَ الْمَجُوسِ وَيُقَالُ لَهُمْ: الثَّنَوِيَّةُ يَقُولُونَ بِمَبْدَأَيْنِ أَحَدُهُمَا النُّورُ وَهُوَ مَبْدَأُ الْخَيْرَاتِ وَالثَّانِي الظُّلْمَةُ وَهُوَ مَبْدَأُ الشُّرُورِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مُعَرَّبٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنْدِ وَهُوَ كِتَابٌ بِالْفَهْلَوِيَّةِ كَانَ لِزَرَادِشْتَ الْمَجُوسِيِّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مُلْحِدٍ فِي الدِّينِ، وَالْجَمْعُ زَّنَادِقَةٌ وَالْهَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فَإِنَّ أَصْلَهُ زَنَادِيقُ وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ لِمَا أَوْرَدَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ: قَوْمٌ مِنَ السَّابِئَةِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ابْتِغَاءً لِلْفِتْنَةِ وَتَضْلِيلًا لِلْأُمَّةِ فَسَعَى أَوَّلًا فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ عَلَى عُثْمَانَ حَتَّى جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى ثُمَّ انْضَوَى إِلَى
(1) - صحيح البخاري (9/ 15) (6922)