قَوْلُهُ : [ وَلَغَا ] إلَخْ : إنَّمَا أَلْغَى لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِالْمَشْيِ . قَوْلُهُ : [ وَلَغَا مُطْلَقُ الْمَشْيِ ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَشْيَ بِانْفِرَادِهِ لَا طَاعَةَ فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَلْزَمَهُ أَشْهَبُ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : [ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ ] : أَيْ لِخَبَرِ : ﴿ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ﴾ . قَوْلُهُ : [ أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ ] : أَيْ لَا الْبَلَدَيْنِ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْبَلَدَيْنِ أَوْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدَيْنِ دُونَ الْمَسْجِدَيْنِ فَلَا تَلْزَمُ . قَوْلُهُ : [ وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ] : لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : ﴿ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ ﴾ , وَلِمَا وَرَدَ فِي دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجَتْنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيْك ﴾ ; وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : ﴿ رَمَضَانُ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ , وَجُمُعَةٌ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ جُمُعَةٍ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ ﴾ ( ا هـ . مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ) , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ ; وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم , وَأَمَّا هِيَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ حَتَّى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ , وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ , فَالْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا , وَأَمَّا الْمَسْجِدَانِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ . خَاتِمَةٌ : عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ , قَالَ مَالِكٌ : الْقُفُولُ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ , وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ , فَلِذَلِكَ اخْتَارَ مَالِكٌ التَّوَطُّنَ بِهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى .
وفي مطالب أولي النهى :
( فَصْلٌ ) ( سُنَّ لِرَجُلٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ ) نَصًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ( بِلَا سَفَرٍ ) , لِحَدِيثِ : ﴿ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ : فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ ﴾ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ , وَإِنْ كَانَ وَارِدًا بَعْدَ الْحَظْرِ , ( وَبِهِ ) , أَيْ : السَّفَرِ ( يُبَاحُ وَقِيلَ يُكْرَهُ ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ : ﴿ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ﴾ الْحَدِيثَ . ( وَكَرِهَ فِي الرِّعَايَةِ ) الْكُبْرَى " ( الْإِكْثَارَ مِنْهُ ) , وَعِبَارَتُهُ : وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ الْمَوْتَى , قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " : قُلْتُ : وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا , وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ .