تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن الرخام مسيرا ومسهما

ومنمنما ومدرهما ومدنرا

والعاج بين الآبنوس كأنه

أرض من الكافور تنبت عنبرا •••

قد كان منظرها بهيا رائقا

فجعلتها بالوشي أبهى منظرا

ألبستها بيض الستور وحمرها

فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا

فمجالس كسيت رقيما أبيضا

ومجالس كسيت طميما أصفرا

لم يبق نوع صامت أو ناطق

إلا غدا فيها الجميع مصورا ... إلخ.

وبعد؛ فقد كان المال وفيرا كثيرا، والترف والنعيم بالغا أقصاه في بلاط الخلفاء وقصور الأمراء والخاصة، أما الشعب فأكثره بائس فقير.

قد كان هناك طبقتان متميزتان كل التميز، فالخليفة ورجال دولته وأهلوهم وأتباعهم طبقة الخاصة، وهم عدد قليل بالنسبة لمجموع الأمة، وبقية الناس - وهم الأكثر - طبقة العامة من علماء وتجار وصناع ومزارعين ورعاع، وأغلب هؤلاء فقراء إلا من اتصل منهم بالخلفاء والأمراء.

ذلك أن أكبر مصدر للمال هو الجزية والخراج، وهذه تدخل في بيت المال تحت سلطة الخلفاء ومن إليهم، وينفق منها على مصالح الدولة، وما بقي - وهو كبير - يصرف في رغبات الخلفاء والأمراء: من هبات للشعراء والمداح، وشراء ما يعرضه تجار الجواهر، وتجار الجواري والتحف، وجوائز للمضحكين. والكريم منهم يمد الموائد لفقراء الشعب ويطعمهم ويكسوهم، فألوف الناس تأكل على الموائد وتنال صدقاتهم؛ فلؤلؤ الحاجب في أيام الفاطميين يفرق في اليوم اثني عشر الف رغيف مع قدر الطعام، فإذا دخل رمضان أضعف ذلك، ووقف هو بنفسه ليفرقه،

30

وكان علي بن عيسى - وزير المقتدر - يعطي الطالبيين والعباسيين وأبناء الأنصار،

31

وكان ابن الفرات يعطي الفقهاء والعلماء والفقراء وأهل البيوتات؛ أكثرهم مائة دينار في الشهر، وأقلهم خمسة دراهم وما بين ذلك.

32

لهذا كله كانت كل أنظار الناس موجهة إلى الخلفاء والأمراء، فالعلماء إن أرادوا الغنى لم يجدوه إلا في خدمتهم، والشعراء إن أرادوا العيش لم يجدوه إلا في مديحهم، والتجار إن وقع شيء ثمين في يدهم من جوهر أو جوار لا يجدون نفاقا لها إلا في قصورهم، والصناع إذا أحسنوا صناعة شيء فهم مقدصهم، أما سائر الشعب ففقير بائس قل أن يجد الكفاف! فالعلماء إذا بعدوا عن القصور عز قوتهم، والشعراء لا يشعرون لأنفسهم ولا لعواطفهم، وإنما يشعرون للمال ينشدونه من يد الخلفاء والأمراء؛ ولهذا كان أكثر شعرهم مديحا، والفنانون والتجار كذلك. وكان أكثر مديح الخلفاء والأمراء بالكرم والسخاء، لا بالعدل والحزم وضبط الأمور.

فإذا نفد مال الخلفاء والأمراء صادروا الأغنياء ليسلبوهم مالهم، ثم يوزعونه على شهواتهم وأتباعهم. فنشأ عن هذا إخفاء الأموال والتظاهر بالفقر، وهرب بعيدي النظر من التقرب من الخلفاء وذويهم، ونشأ في الأدب العربي كثير من الشعر والنثر يحمد الفقر والبعد عن البلاط،

33

كما نشأ شيوع التصوف والميل إليه.

كان بجانب هذا الغنى المفرط، والإمعان في اللذائذ، فقر مدقع يقع فيه العلماء وعامة الشعب ممن لم يتصلوا بالخلفاء والأمراء ومن إليهم.

هذا «عبد الوهاب البغدادي المالكي» فقيه أديب شاعر له المصنفات الرائعة في الفقه، لم يكن في المالكيين أفقه منه في زمنه، ولما نزل معرة النعمان في رحلته أضافه أبو العلاء وقال فيه:

والمالكي ابن نصر زار في سفر

بلادنا فحمدنا النأي والسفرا

إذا تفقه أحيا مالكا جدلا

وينشر الملك الضليل إن شعرا

هذا كله تضيق به المعيشة في بغداد حتى لا يجد قوت يومه، ويخرج عنها طالبا للرزق، ولما شيعه أكابرها قال لهم: «لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة ما عدلت عن بلدكم.» ثم أنشأ يقول:

سلام على بغداد في كل موطن

وحق لها مني سلام مضاعف

فوالله ما فارقتها عن قلى لها

وإني بشطي جانبيها لعارف

ولكنها ضاقت علي بأسرها

ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

وكانت كخل كنت أهوى دنوه

وأخلاقه تنأى به وتخالف

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٤