تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وفي العهد الفاطمي كان الترف أنعم وأضخم وأفخم، تقرأ في «خطط المقريزي» وصف خزائن الفاطميين وحياتهم في القصور، وتفننهم في أدوات الترف والنعيم فيأخذك العجب العجاب، فيقول: «إنه كان للخليفة خزانتان: ظاهرة؛ وفيها الملابس التي ينعم بها على الناس، وباطنة؛ وهي الخاصة بلباس الخليفة، ويتولاها امرأة تنعت بزين الخزان، وبين يديها ثلاثون جارية، فلا يغير الخليفة أبدا ثيابه إلا عندها ... وكان برسم هذه الخزانة بستان من أملاك الخليفة على شاطئ الخليج يعنى أبدا فيه بالنسرين والياسمين، فيحمل في يوم منه شيء في الصيف والشتاء لا ينقطع أبدا برسم الثياب والصناديق.

ولما كشف حاصل الخزائن الخاصة للعاضد بالقصر كان الموجود فيها مائة صندوق كسوة فاخرة من موشى ومرصع، وعقود ثمينة وجواهر نفيسة، وغير ذلك من ذخائر عظيمة الخطر.»

25

وفي أيام شدة المستنصر أخرج من بعض خزائن القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد زمرد؛ فسأل بعض من حضر من الوزراء الجوهريين: كم قيمة هذا الزمرد؟ فقالوا: إنما نعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة له! ... وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل من ثمانية آلاف دينار فصاعدا، وأخرج ألف ومائتا خاتم ذهبا وفضة من سائر أنواع الجواهر المختلف الألوان والقيم والأثمان ... وأحضرت خريطة فيها نحو ويبة جواهر، وأحضر الخبراء من الجوهريين فذكروا أن لا قيمة لها ولا يشتري مثلها إلا الملوك، فقومت بعشرين ألف دينار، وأخرج طاووس ذهب مرصع بنفيس الجواهر، عيناه من ياقوت أحمر، وريشه من الزجاج المينا المجري بالذهب، على ألوان ريش الطاووس، وديك من الذهب له عرف مفروق كأكبر ما يكون من أعراف الديوك من الياقوت الأحمر، مرصع بسائر الدرر والجوهر، وعيناه ياقوت، وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر، وبطنه أبيض قد نظم من در رائع ... إلخ إلخ.

26

ونحو هذا ذكر المقريزي في خزائن العرش والأمتعة، وخزائن السلاح والسروج والخيم والشراب والتوابل والبنود.

ورووا أن المعز لدين الله فاتح مصر لما خرج من بلاد المغرب أخرج معه أموالا كانت له بها، وأمر بسبكها أرحية كأرحية الطواحين، وكان معه مائة جمل عليها هذه الطواحين من الذهب، وأمر المعز بها حين دخل إلى مصر فألقيت على باب قصره، ولم تزل على باب القصر إلى أن كان زمن الغلاء في أيام المستنصر، فلما ضاق الناس بالأمر أذن لهم أن يبردوا منها بمبارد، وغرهم الطمع حتى ذهبوا بأكثرها، فأمر بحمل الباقي إلى القصر، فلم تر بعد ذلك.

وقد عمل المعز عضادتي باب من أبواب قصره من تلك الأرحية، واحدة فوق أخرى، فسمي باب الذهب، وسميت القاعة التي يدخل إليها من هذا الباب قاعة الذهب.

27

ولما دخل صلاح الدين القصر الكبير للخلفاء الفاطميين، وجد فيه اثني عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وولده.

28

ومهما بالغ المقريزي ومن نقل عنهم في وصف غناهم، فإن الأساس صحيح وهو غنى القوم، وإمعانهم في الترف إمعانا يزيد عما وصل إليه العباسيون أيام الرشيد. «وكان إقطاع الوزير ابن كلس «وزير العزيز بالله» مائة ألف دينار في السنة، ووجد للوزير المذكور من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبز من كل صنف بخمسمائة دينار».

29

ويصف لنا عمارة اليمني دارا بناها ابن رزيك الوزير الفاطمي فيقول:

فتمل دارا شيدتها همة

يغدو العسير ببابها متيسرا

جملتها وتجملت مصر بها

لما علت بك عزة وتكبرا

وسقيت من ذوب النضار سقوفها

حتى لكاد نضارها أن يقطرا

لم يبد فيها الروض إلا مزهرا

والنخل والرمان إلا مثمرا

وبها من الحيوان كل مشهر

لبس الوشيج العبقري مشهرا

وكأن صولتك المخوفة أمنت

أسرابها ألا تراع وتذعرا

أنشأت فيها للعيون بدائعا

زفت فأذهل حسنها من أبصرا

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٣