وكان يتهجد في الليل ويطيل الصلاة، ويلبس جبة من شعر.
قال المسعودي: «فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه.»
لما قبضوا عليه قالوا له: أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول
صلى الله عليه وسلم
وأهل بيته والخلفاء الراشدين! فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟!»
8
ولم يدم في خلافته إلا أحد عشر شهرا.
وهكذا كان تيار الترف شديدا جارفا حتى ليكتسح من وقف في سبيله.
وقد أنشأ عضد الدولة البويهي بستانا بلغت النفقة عليه وعلى سوق الماء إليه خمسة آلاف ألف درهم.
9
والوزير ابن مقلة يربي الحيوانات في قصره ويعنى بها أكثر عناية، «فكان له بستان عظيم عدة أجربة، شجر بلا نخل، عمل له شبكة إبريسم، وكان يفرخ فيه الطيور التي لا تفرخ إلا في الشجر، كالقماري والدباس والهزار والببغ والبلابل والقبج، وكان فيه من الغزلان والنعام والأيل وحمر الوحش، وبشر مرة بأن طائرا بحريا وقع على طائر بري، فباض وفقس، فأعطى من بشره بذلك مائة دينار».
10 «والوزير ابن الفرات كان يملك أموالا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار وينفقها، وكانت في داره حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاتهم إليها غلمانهم يأخذون الأشربة والفقاع والجلاب إلى دورهم»،
11
وكان ابن الفرات لا يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالمعلقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين معلقة.
وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، وكانت أم المقتدر يشترى لها ثياب ديبقية يسمونها ثياب النعال، وذلك أنها كانت صفاقا تقطع على مقدار النعال المحذوة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب وتجمده، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب من ذلك المطيب ما له قوام ... وكانت نعال السيدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلا عشرة أيام أو حواليها حتى تخلق وتتفتق وترمى، فتأخذها الخزان وغيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك».
12 «وكان الوزير المهلبي كثير الشغف بالورد؛ روى من شاهده قال: «شاهدت أبا محمد المهلبي قد ابتيع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار، فرش به مجالسه وطرحه في بركة عظيمة كانت في داره، ولها فوارات عجيبة، يطرح الورد في مائها فتنفضه على المجلس فيقع على رؤوس الجالسين؛ وبعد شرابه عليه، وبلوغه ما أراد منه، أنهبه».
13
وانتشرت مجالس الشراب، ووضعت لها القواعد والقوانين والآداب، كالذي فعله «كشاجم» في تأليف كتابه «أدب النديم»، وتفننوا فيما يكتب من الشعر على القناني والكاسات.
14
واعتاد الخلفاء والوزراء والأمراء مجالس الشراب وبالغوا في الإسراف فيها؛ «يحكى أنه كان للوزير المهلبي ندماء يجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم: ابن قريعة، وابن معروف، والقاضي التنوخي، وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها؛ وكذلك كان الوزير المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس، ولذ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه، وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووضع في يد كل واحد منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوء شرابا قطربليا أو عكبريا، فيغمس لحيته فيها بل ينقعها حتى تتشرب أكثره، ويرش بها بعضهم على بعض، ويرقصون أجمعهم ... فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمت والوقار».