تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللوم في الحب ينهاهم ويغريني

وفيها يقول:

اعجب لمسكة نفسي بعدما رميت

من النوائب بالأبكار والعون

ومن نجائي يوم الدار حين هوى

غيري ولم أخل من حزم ينجيني

مرقت منها مروق النجم منكدرا

وقد تلاقت مصاريع الردى دوني

وكنت أول طلاع ثنيتها

ومن ورائي شر غير مأمون

من بعدما كان رب الملك

74

مبتسما

إلي أدنوه في النجوى ويدنيني

أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه

لقد تقارب بين العز والهون

ومنظر كان بالسراء يضحكني

يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني!

هيهات أغتر بالسلطان ثانية

قد ضل ولاج أبواب السلاطين

وجاء القادر بالله بعد الطائع فظل سلطان بني بويه على الخليفة كما كان، قال الذهبي: «في سنة ولايته عقد مجلس عظيم حلف فيه القادر وبهاء الدولة (البويهي) كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.»

من كل هذا نرى أن البويهيين من الفرس سلكوا مع الخلفاء ما سلكه الأتراك من قبلهم، بل زادوا عليه أحيانا، ولكن أكبر التبعة تقع على الترك، فإنهم هم البادئون بانتهاك حرمة الخلافة، فلم يكن من اليسير بعد إعادة ما لها من جلال.

وزاد الأمر سوءا في عهد البويهيين النزاع بين الشيعة والسنة؛ فقد كان الخليفة سنيا، والبويهيون شيعيين، فاختلفت المظاهر وكثر النزاع. ففي سنة 351ه في عهد المطيع - مثلا - كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد بلعن معاوية، ولعن من غصب فاطمة حقها من فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعن من نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله

صلى الله عليه وسلم . وصرحوا بلعن معاوية فقط.

وفي سنة 352ه ألزم معز الدولة الناس يوم عاشوراء بغلق الأسواق، ومنع الطباخين من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين، وهذه أول مرة نيح فيها على الحسين ببغداد، واستمر هذا سنين، وفي ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة عمل عيد غدير خم، وضربت الدبادب.

وفي سنة 398ه، وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، فأرسل الخليفة القادر الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة وهكذا.

وتعصب بعض شعراء الفرس في ذلك العهد لفارسيتهم، ومن أشهر هؤلاء مهيار الديلمي، فترى ديوانه قد ملئ بالتهنئة بيوم النيروز، ويوم المهرجان، وبمراسلة بعض البويهيين لقدوم بغداد والاستيلاء عليها، والعصبية الفارسية من مثل قوله:

أعجبت بي بين نادي قومها «أم سعد» فمضت تسأل بي

سرها ما علمت من خلقي

فأرادت علمها ما حسبي

لا تخالي نسبا يخفضني

أنا من يرضيك عند النسب

قومي استولوا على الدهر فتى

ومشوا فوق رءوس الحقب

عمموا بالشمس هاماتهم

وبنوا أبياتهم بالشهب

وأبي كسرى على إيوانه

أين في الناس أب مثل أبي؟

قد قبست المجد من خير أب

وقبست الدين من خير نبي

وضممت الفخر من أطرافه

سؤدد الفرس ودين العرب

وقد شرحنا أثر الفرس الاجتماعي في «ضحى الإسلام»، غير أننا نذكر هنا أن هذه الحروب بين الترك والبويهيين الفرس، وبين البويهيين بعضهم مع بعض، أثرت كثيرا من الخراب في العراق وما حولها، حتى جاء عضد الدولة فاستقرت الأمور بعض الاستقرار، ومكنه ذلك وحبه للعمران أن يصلح بعض ما خرب.

قال مسكويه: «وكان ببغداد أنهار كثيرة ... وكان منها مرافق للناس لسقي البساتين ولشرب الشفة في الأطراف البعيدة من دجلة، فاندفنت مجاريها، وعفت رسومها، ونشأ قرن بعد قرن من الناس لا يعرفونها، واضطر الضعفاء إلى أن يشربوا مياه الآبار الثقيلة، أو يتكلفوا حمل الماء من دجلة في المسافة الطويلة، فأمر (عضد الدولة) بحفر عمدانها ورواضعها، وقد كانت على عمدانها الكبار قناطر قد تهدمت وأهمل أمرها، وقل الفكر فيها، فربما انقطعت بها السبل، وربما عمرتها الرعية عمارة ضعيفة على حسب أحوالهم، فلم تكن تخلو من أن تجتاز عليها البهائم والنساء والأطفال والضعفاء فيسقطون، فبنيت كلها جديدة وثيقة، وعملت عملا محكما. وكذلك جرى أمر الجسر ببغداد، فإنه كان لا يجتاز عليه إلا المخاطر بنفسه، لا سيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه، وتزاحم الناس عليه، فاختيرت له السفن الكبار المتقنة، وعرض حتى صار كالشوارع الفسيحة، وحصن بالدرابزينات، ووكل به الحفظة والحراس!»

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٢