وفي الصيام تهذيب للنفس، وقهر للشيطان بتضييق مجاري قوته من الطعام، والشراب والشهوات، فهو بذلك واحة النفوس المسلمة تفيء إليها بعد رحلة أحد عشر شهراً في صحراء المشاكل الحياتية، التي لا نهاية لها، والتي لو استمر معها المسلم طوال العام لكان لها تأثيرها السيئ على نفسه، وعلى شخصيته، فجاء الصيام ليشكل في حياته محطة يستريح فيها، ويتخلص فيها كذلك من أوضار المادة، ومن رواسبها الكثيرة، ويترقى في مدارج الروحانية الجميلة، فيضفي ذلك عليه راحة النفس، وصفاءها، وفراغ الخاطر، وإشراق الروح، والتجرد من الشهوات، والتحرر من رتابة الحياة، وعلائقها ومن قيد الشهوات، وفضولها، وذلك أن الإنسان لو ترك طول العام منهمكاً في الشهوات لانحط إلى أسفل سافلين، والتحق بالبهائم (1)، فكان من رحمة الله تعالى فرض الصيام على عبادة المؤمنين بحيث لم يخل من فرضه دين سماوي قبل الإسلام، ولكن الصوم في الإسلام يختلف عما كان في الأديان قبله، فللإسلام دوره الإصلاحي في تشريع الصوم، وهو الدور الذي قام به الإسلام في جميع العبادات والفرائض، والمناسك وكان إصلاحاً جذرياً في مفهوم الصوم وآدابه وأحكامه ووضعه وجعله أعظم يسراً وسهولة، وقرباً إلى الفطرة السليمة، وأضمنه بالفوائد الروحية، والاجتماعية والأخلاقية والنفسية وسواها من الفوائد، وأعمق تأثيراً في النفس والمجتمع (2).
قال العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله: «ومن عرف أوضاع الصوم ومناهجه في الأمم القديمة والديانات المعاصرة ودرس تاريخها وفلسفتها وشاهد أحوال الصائمين فيها -على قلتهم وتشتت أحوالهم- وقارن ذلك بالصوم الإسلامي ووضعه ومنهجه، فقهه وآدابه وأكرمه الله بالدخول في هذه الأمة المسلمة والعمل بالشريعة الإسلامية السمحة نطق لسانه بالحمد والثناء والشكر على نعمة الإسلام، وكان حقيقاً بأن يقول وهو
(1) يُنظر: الإحياء (279).
(2) يُنظر: الأركان الأربعة (188).